الأربعاء 17 يوليو 2019 م - ١٤ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الأسطورة في عمان ـ مقاربة تاريخية ـ ( 1 )
الأسطورة في عمان ـ مقاربة تاريخية ـ ( 1 )

الأسطورة في عمان ـ مقاربة تاريخية ـ ( 1 )

فهد بن مبارك الحجري
تناقش هذه الدراسة حضور الأسطورة في عُمان قديماً من خلال مظاهرها اعتماداً على علم الآثار وربط ذلك بالتاريخ، وقد استطاعت الدراسة رصد ثلاث أساطير في عُمان، وهي أسطورة الإله ميثرا، وأسطورة إله المطر، وأسطورة الإله سين (إله القمر)؛ هذه الأساطير الثلاث شكّلت في الجغرافيا المحيطة بها والمؤثرة فيها أسلوب حياة دينيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا..

المقدمة
الباحث في الأسطورة على أرض عُمان سوف يواجه عراقيل كثيرة حول تتبع نسق الأسطوري من خلال مظاهرها، وهذا ما طرح السؤال حول وجود الأسطورة من عدمه في عُمان.
إن المشقّة والتبعات التي تتبع البحث عن الأسطورة في عُمان تجعل منها ضرباً من المستحيل، رغم وجودها المتمظهر من خلال علم الآثار وكذلك تشظيها من الحكاية الشعبية،؛ كل هذا يحتاج إلى تتبع النسق الذي شكّل الأسطورة؛ لكن قبل الشروع في البحث عن الأسطورة في المكان لا بدّ من التوضيح أن مفهومها، أي الأسطورة، قد استشكل على الكثيرين، من خلال ربط الأسطورة بالخرافة أو الحكايات الشعبية الخارقة؛ لذلك يحدث أن تكون هناك أحداث أسطورية مختلطة بحكاية شعبية، لكنها لا تشكّل أسطورة مكتملة أصلية فقد تشظّت عبر اختلاطها بما هو مختلف عنها.
إن تتبع الجانب التاريخي للأسطورة في عُمان لم يتطرق له من قبل، وذلك لغياب ملامح وتمظهرات الأسطورة في المكان، مما شكّل عاملاً ضبابياً حول إمكانية وجود الأسطورة في عُمان؛ بالتالي سوف يكون اعتماد هذه الدراسة أولاً على علم الآثار ثم تقصّي حضور الأسطورة تاريخياً، لذلك يأتي في البداية علم الآثار بحكم أنه عاملاً بحثياً مهماً يعطي الدراسة مؤشرات يتم مقارنتها وربطها وتحليلها مع مواقع آثارية أخرى مشابهة لما هو موجود في المكان، بعدها يبدأ التتبع التاريخي والمقارنة التاريخية وصولاً إلى النتائج المرجوة من هذه الدراسة.

مفهوم الأسطورة:
يمكن القول إن “الأساطير: حكايات الآلهة، والكائنات الإلهية، التي توجد مع الآلهة في العالم المقدّس لأي دين”(1)؛ لذلك تعتبر الأسطورة مكوّناً رئيسيا من مكونات الدين الثلاثة الأخرى (المعتقد والطقس والأخرويات)(2).
يمكن النظر للأسطورة على أنها قصة حقيقية كائنة في الديّن يؤمن بها معتنقوها، ولا يمكن أن تجادلهم فيها على اعتبار أنها تتكلّم عن القضايا الكبرى حول البدايات والنهايات، حول الخلق والنشأة والحياة والموت وما بعده؛ لذلك فإن الفرق بينها وبين الفلسفة، من حيث القضايا المطروحة، هي ذات القضايا، لكن عملية تناولها تختلف؛ إذ تتناولها الأسطورة من الجانب الوجداني والعاطفي المؤثر في الوجدان الجمعي لأيّ أمة لديها معتقدها ودينها؛ بينما تنظر لها الفلسفة من الجانب العقلي وتحللها تحليلاً منطقياً عقليا.
من خصائص الأسطورة أنه “لا يُعرف لها مؤلف معين، لأنها ليست نتاج خيال فردي، بل ظاهرة جمعية يخلقها الخيال المشترك للجماعة وعواطفها وتأملاتها”(3)؛ كما أنّ شخصياتها الرئيسية هي الآلهة وأنصاف الآلهة “فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان ظهوره مكملاً لا رئيساً”(4)؛ كما أنّ أحداث الأسطورة تجري “في زمن مقدس غير الزمن الحالي”(5) إنه الزمن البدئي، زمن البدايات لكل شيء في الحياة، وهذا الزمن ما زال مستمرأً ويتكرر سنوياً في المناسبات الدينية الكبرى، لذلك فهي ، أي الأسطورة، ترتبط “بنظام دينيّ معين وتعمل على توضيح معتقداته وتدخل في صلب طقوسه”(6). بعد كل هذا التوضيح سوف تتطرق الدراسة إلى موضوع الأسطورة في عُمان محاولة مقارتها تاريخياً اعتمادا على علم الآثار كما ذكرنا سابقاً.

- أسطورة إله (النور) المتشظية إلى حكاية (الياهل) في جبال الحجر الشرقي في عُمان:
لم يكن من السهلّ تتبع تمظهرات أسطورة إله النور في جبال الحجر الشرقي في عُمان، لذلك كان من الضرورة زيارة الموقع وتتبع أحداث حكاية شعبية (الياهل) حتى تتضح الرؤية أكثر ، ثم دراسة المباني البرجية الأثرية في الموقع والتي يرجع عمرها إلى الألف الثالث قبل الميلاد؛ لذلك سوف نورد الحكاية الشعبية التي تشظّت منها أسطورة إله النور والصواعق.
حكاية الياهل الشعبية جاءت على لسان ناصر السعدي أحد سكان قرية الراكي التابعة لولاية وادي بني خالد في جبال الحجر الشرقي(7):
(خُلق (الياهل) عندما خلقت الدنيا وهو مخلوق بدون عظام يصفه الراوي بالمكّي أي (اللَيْنْ)، (الياهل) عندما ينتصب يصل عنان السماء، وكان يضع على رأسه خوذة يسميها الراوي (سحلة بترو)، لكي لا يلمس برأسه السماء؛ كان (الياهل) يمد إحدى يديه أو كلاهما مسافة أميال ليحضر الطعام لنفسه من البحر أو البر، كانت بحوزة (الياهل) بَرقَةٌ تصنع الفارق وتذلل الصعاب وتضمن له البقاء والسطوة، لقد استخدم (الياهل) برقته في تحضير القوالب الحجرية لبناء القبور الأثرية البرجية بموقع الجيلة الكائن في جبال وادي بني جابر بولاية صور.
حدث أن ذهب رجل سعدي من الراكي للاغتسال في عين (النغدْ)، فوجد عندها جنية الأرض فشرب من ثديها حليباً على حين غفلة، وعلى وجه الدقة الراوي يقول :(السعدي طش في نون جنية الأرض ومتك منه متوك) فقالتْ له:(الآن اعتبرتك ولدا من أولادي وإلا كنت سويت بلحمك لقمة، وبدمك يغمه، وعظامك أسوكهن سوك من الجمعة إلى الجمعة)، إذن بشربه من حليب جنية الأرض اكتسب السعدي الحصانة ضد بطشها به وفي مرحلة لاحقة سوف نلاحظ أنه اكتسب القوة لمواجهة (الياهل).
وصفتْ جنية الأرض للسعدي المغارة التي يقطنها (الياهل) ورسمت له خطة محكمة لسرقة البرقة ذات الاهمية الفائقة، فعندما تكون المغارة مظلمة يكون (الياهل) مستيقظا وحينها يصعب الاقتراب من المغارة ، وعندما تكون المغارة مضاءة يكون (الياهل) نائماً وحينها يمكن التسلل بحذر لسرقة البرقة.
استوعب السعدي خطة جنية الأرض وذهب إلى المغارة فوجدها مضاءة كوضح النهار فتيقن بأن (الياهل) في سبات عميق، تسلل داخل المغارة وأخذ البرقة التي كانت مربوطة بشعرة حمار واثناء انسحابه من المغارة لمس طرف البرقة بطرف من الجبل، فاستيقظ (الياهل) قائلاً: “اسمع المصيهلو صهل”، فرد عليه السعدي :”في يدين صعل”.
فانقض (الياهل) يطارد السعدي ليسترد البرقة، ويفتك بالسعدي وبعد مسافة تقدر بكيلو مترا واحدا من بدء المطاردة ،نفذ السعدي الجزئية الأخرى من خطة جنية الأرض فقفز عنه في يبة نوم (بحيرة ماء عذبة) فتوقف (الياهل) عن مطاردته لخوفه من الماء الذي يؤدي إلى موته بمجرد ملامسته له، وأخذ (الياهل) يهيل الحجارة داخل (يبة نوم) بقصد تجفيفها لكي يخرج السعدي بمعية البرقة أو يقضي عليه داخلها.
تفطن السعدي إلى خطورة الوضع، فجرح إصبعه وشاهد (الياهل) الدم يختلط بالماء فتيقن بأن السعدي قد مات فانصرف واستقر به الحال بالراكي بعيداً عن الجيلة، واتخذ من كهف صغير على قارعة الطريق مسكناً له، أما السعدي فقد استخدم البرقة للخروج من يبة نوم (البحيرة) ومضى لحاله أيضاً.
خلال بقائه في الكهف في قرية الراكي كان (الياهل) مستحوذاً وقرصاناً نهماً يستوقف الناس على قارعة الطريق ويأخذ أموالهم العينية كالتمر والسمك بالمناصفة ويأكلها في الحال ، يقول الرواي: “الياهل كان يأكل جراب التمر ويخرج النوى من أنفه”.
تذمر الأهالي من قرصنة (الياهل) واستحواذه على مدخل قرية الراكي، وبالصدفة وجدوا السعدي غريم (الياهل) وأخبروه بأمره فوعدهم بحتمية الخلاص منه.
تظاهر السعدي غريم (الياهل) بالمرور عبر الموقع الذي كان يسيطر عليه (الياهل)، وبالإضافة إلى البرقة التي كان يخفيها، كان في حوزة السعدي بعض الأموال العينية، فتصدى له (الياهل) دون احتراس منه، فلم يعرفه لطول المدة، وطالبه بالتوقف لاقتسام الأموال العينية التي بحوزته بالمناصفة ، فأذعن السعدي لطلب (الياهل) ولكنه باغته على حين غفلة وطعنه بالبرقة فانقسم (الياهل) إلى نصفين، وعلى الفور هرب النصف العلوي (الذي يحتوي على الرأس ) من بدن (الياهل) وركض السعدي خلفه لمسافة لا تقل عن خمسة كيلومترات حتى فارق الحياة في موقع يعرف بالعمقين ودفن هناك بينما النصف السفلي من بدن (الياهل) دفن بجوار الكهف الذي كان يقطنه.
يقول الراوي كان (الياهل) يقول للسعدي أثناء مطاردته بعد أن قطعه إلى نصفين: “إن كنت ولد حره زيد مره”، أي زيد طعنة أخرى بالبرقة وبالتالي يستعيد (الياهل) حياته وهيئته كاملة ويَفْتِك بالسعدي، وكان يرد على (الياهل) بقوله: (لبو مره ما مرتين) ، أي أنها مرة واحدة لقد قٌضِي الامر.
بعد مفارقة (الياهل) للحياة ودفنه في قبرين يبعد كل واحد منهما عن الآخر خمسة كيلومترات ظلت (البرقة) بحوزة السعدي، وكالمعتاد كانت تحفظ البرقة في كوز كبير أو خرس مملوء بالطحين، وكانت تأكل الطحين فيتم تعويضه بطحين أخر لضمان بقاء (البرقة) بالخرس وبالتالي تكون في متناول السعدي.
كان السعدي يوظف (البرقة) في خدمة أهالي الراكي، وقد حدث إعصار يسميه الراوي (الشَلّي)، فساءت الاحوال المناخية في الراكي وطلب الأهالي من السعدي مساعدتهم بالبرقة، فأبرز جزءاً من البرقة لمدة قصيرة حتى أكتسب المكان الاضاءة والدفء للإنسان والحيوان والنبات ومن ثم ردها مباشرة في غمدها (الخرس المملوء بالطحين)، وبمرور الزمن أهمل السعدي رعاية البرقة، فأكلت البرقة الطحين بأكمله وكسرت الخرس وشقت الأرض لتستقر بالأرض السابعة دون رجعة؛ انتهت).
من خلال هذه الحكاية يمكن القول أن (الياهل) والذي أطلق عليه علماء الآثار (كبيكب)، قد جاء من الأبراج الآثارية التي كانت في وادي بني جابر والتي يرجع تاريخها إلى العصر البرنزي في الألف الثالث قبل الميلاد، واستقر في قرية الراكيّ، وكان سلاحه عبارة عن برقة (صاعقة)؛ إن هذه البرقة أو الصاعقة التي كان يحملها هذا الكائن لا يمكن أن تدخل في الحكاية الشعبية عبثاً وبالتالي لا بدّ من تتبع نسقها وتشظيها، حتى نصل إلى مصدر البرقة أو الصاعقة ومن أين دخلت على الحكاية.
“تعتقد الدكتورة إنجبورج جوبا (Ingeborg Guba)، وهي جيولوجية وأستاذة مشاركة سابقة في قسم هندسة النفط والموارد المعدنية، بجامعة السلطان قابوس، بأن أبنية شير جيله مبان دينية من المحتمل أن تكون مخصصة لعبادة إله الطقس وليست أضرحة؛ وحجارة الحديد الموجودة حول بعض المباني ذات توصيل عال، ليست من المنطقة، من المحتمل أنها مجلوبة لتوصيل الضوء”(8).

تتجه فتحات هذه القبور أو المباني البرجية باتجاه الشرق، لذلك لا يمكن أن تتجه عبثاً على اعتبار أن مشرق الشمس له خصوصية وثيمة دينية لدى السكّان قديما، لذلك وصلنا إلى نتيجة مؤداها أن الشرق واستقبال الشمس كانت مقدسة لدى القدماء.

مراجع :
- الماجدي، خزعل: علم الأديان، ط1، مؤمنون بلا حدود للنشر و التوزيع، بيروت، 2016م.
- السوّاح، فراس: الأسطورة والمعنى (دراسة في الميثولوجيا والديانات المشرقية) ،ط2، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، 2001م.
- الجرو، أسمهان سعيد: مصادر تاريخ عُمان القديم، ط1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان،2006م.
- مجلة الدراسات العربية (الترجمة العربية للعدد 13)، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2008م.
- خور روري (سمهرم) بعد ستة أعوام، تقرير صادر عن مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية،2015م.

(1) الماجدي، خزعل: علم الأديان، ط1، مؤمنون بلا حدود للنشر و التوزيع، بيروت، 2016م، ص35.
(2) المرجع ذاته،ص32.
(3) السوّاح، فراس: الأسطورة والمعنى (دراسة في الميثولوجيا والديانات المشرقية) ،ط2، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، 2001م، ص12.
(4) المرجع ذاته، ص12.
(5) المرجع ذاته، ص13.
(6)الماجدي، خزعل: علم الأديان،ص13.
(7) دون الحكاية الشعبية الباحث خليفة الراسبي، أخصائي تنقيب وآثار في وزارة التراث والثقافة.
(8) مجلة الدراسات العربية (الترجمة العربية للعدد 13)، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2008م، ص53.

إلى الأعلى