الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المزاج العربي: من الحكاية إلى التاريخ (1)

المزاج العربي: من الحكاية إلى التاريخ (1)

أ.د. محمد الدعمي

لست أشك بأن الذهنية العربية هي الأقوى تواشجا بالماضي. ربما كان هذا هو سر تعلق العرب بالتاريخ وتفوقهم به مقارنة بسواهم من الأقوام.
ليست هذه الصفة بنقيصة، كما يدعي البعض، ذلك أن التاريخ هو خلاصة خبرات الماضي وأهم مشاعل إضاءة الحاضر واستشراف في المستقبل.
إذا ما امتطى المرء مركبة الزمن عائدا إلى الخوالي من الدهور، لا بد أن يتأكد له التعميم الذي أقدمه أعلاه، إذ بدأ شغف الإنسان العربي بالماضي على أيدي شخصية “الإخباري”. وهذا الإخباري إنما هو شخص (يكون جوّالا، أحيانا)، عارفا بقصص الماضي القديم والحديث، ليس فقط بقدر تعلق الأمر بأحوال القبائل العربية التي لا تلتوي، ولكن كذلك بقدر تعلق الأمر بأحوال الأقوام والأمم الأخرى، إذ كان العرب يجتمعون حول “نواة” هذا الإخباري ليقضوا أوقاتهم الطويلة بالاستمتاع بأخبار الأولين.
وإذا كان الشغف بالماضي قد انطلق بهذا التقليد، أي من خليط سجل أحداث الماضي، والخرافة والأسطورة، فإن سطوة الإخباريين لم تزل موجودة وفاعلة حتى اللحظة في مجتمعاتنا، بل وحتى وقت متأخر: إذ كان “الحكواتي” الذي يعتاش على قص الحكايات للمهتمين في المقاهي والديوانيات عبر القرن الزائل، إنما هو سليل شخصية “الإخباري” الذي اعتمد عليه القوم قبل ظهور الإسلام. ولم يقضِ على الأخير سوى التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي اليوم، إذ أحالته هذه المبتكرات للتقاعد الآن وإلى الأبد!
وإذا ما كان القصص القرآني هو من أهم أدلة افتتان العرب بالقدماء، فقد كان هو كذلك دليل تفضيله على أبرز ما بزّ به العرب سواهم من الأقوام، أي الشعر. بيد أن علينا أن نلاحظ هنا كيفية ولادة سليل الإخباري في العصر الوسيط، وأقصد بذلك المؤرخين (الشيوخ) الذين أغنوا ثقافتنا بسجلات عظيمة لا يمكن لأمة أخرى أن تدعي تفوقها على العرب في هذا المجال.
بل إن عصر ظهور هؤلاء من شيوخ المؤرخين، من أمثال المسعودي والطبري وابن مخنف قد تجايل مع ظاهرة أخرى تميز بها العقل العربي بقدر تعلق الأمر بأخبار القدماء، وهي ظاهرة ولادة فن “الرواية”.
وإذا كان الهنود والفرس والعبريون والأقباط، من بين سواهم من الأقوام يتنافسون في إحالة حكايات (ألف ليلة وليلة) إلى تراثهم، إلا أن المؤكد بأن العرب هم المسؤولون عن ظهور هذا العمل الفلكلوري الجماعي الإبداعي، بدليل ظهوره وشيوعه على سني حقبة العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية (العصر العباسي)، بغض النظر عن أصول بعض الحكايات الواردة في هذا الكتاب الأكثر شهرة عبر العالم الغربي بعنوان (الليالي العربية) The Arabian Nights.

إلى الأعلى