الأربعاء 17 يوليو 2019 م - ١٤ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / أمٌّ تنقذ رضيعتها من قتلٍ مُحقّق

أمٌّ تنقذ رضيعتها من قتلٍ مُحقّق

(الوطن) بالتعاون مع الادعاء العام

بقلم ـ وكيل ادعاء عام أول/ سالم بن ناصر البوسعيدي:
لقد أصبحت العديد من البيوت اليوم لا تخلو من وجود عاملة أو اثنتين، لغرض تدبير شؤون المنزل، ولكن الملاحظ أن دورهن لم يعد مقتصرًا على تدبير شؤون النظافة والمأكل والملبس فحسب، وإنما امتد في كثيرٍ من الأحيان، إلى ما هو أبعد من ذلك .. امتدَّ ـ للأسف الشديد ـ إلى تربية الأطفال، بعد أن تنازلت الأم ـ بسبب ظروفها الصعبة أحيانًا ـ عن هذا الدور المحوري والأساس في استقامة البيوت.
ويبرز الخطر الأكبر، في هذا التنازل الأخير، في مسلك العاملة في تنشئة الأطفال ومنهجيتها في ذلك .. يكمن أيضًا، إلى جانب الكثير من المحاذير، في تلك الأفكار والعقيدة التي قد تغرسها في أعماق الأطفال، والتي تتعارض، في كثير من الأحيان، مع أبجدياتنا المكتسبة عقائديًا ومُجتمعيًا.
بيد أن تلك المحاذير، وعلى الرغم من خطورتها إلا أنها، لا تقارن بتلك الأفعال التي قد تطول سلامة أجساد فلذات أكبادنا، وما أكثرها في هذا الزمان، وهو الأمر الذي يُحتَّم على كل أبٍ وأمٍ أن يعيدوا النظر في حدود تعامل عاملات المنازل مع أبنائنا في البيت.
فأطفال اليوم هم بُناة المستقبل، وسواعد الدولة التي نعلّق عليها آمال جيلٍ جديدٍ من أبناء هذا الوطن الغالي.
إن تفاصيل قضيتنا تدور حول يدٍ آثمة ـ عاملة منزل، المتهمة (س ـ من جنسية آسيوية) ـ سعت بكل خُبثٍ ووحشية إلى النيل من الأسرة التي تعمل لديها، من خلال قتل ابنة الأسرة، ذات التسعة أشهر من عمرها فقط وذلك بخلط مادة سامة في حليب الرضيعة، المجني عليها انتقامًا لضغينة حمقاء حملتها اتجاه الأسرة، متمثلة في عدم استجابة الكفيل لرغبتها في العودة إلى وطنها، وعدم رغبتها في العمل لديه.
تمثلت ردة فعلها في أن طحنت مادة سامة، عبارة عن (مبيدٍ سامٍ للقوارض)، وجدتها في مخزن البيت، ومزجته ببودرة الحليب الخاص بالمجني عليها، قاصدة بذلك إزهاق روحها.
وبهذا امتدت يدُ الأم إلى تلك الخلطة، لإعداد الحليب لابنتها إلا أن حرصها جعلها تلاحظ تغيّر لون الحليب عن اللون المعتاد، ناهيك عن رائحته الشاذة، التي ما كانت لتخطئها سلامة حاسة الشم لديها وهو ما جعلها تشك في سلامة الحليب.
لقد كان من حسن تصرف الأم أن امتنعت عن إعطاء الحليب لطفلتها، لتنقذها بذلك من موتٍ مُحقّق وبادرت من فورها إلى إخبار زوجها بما لاحظته من تغير لون الحليب، ومن رائحته النفّاذة ليبادر الزوج، بدوره إلى إبلاغ الشرطة، بعد أن اشتبه في أن تكون العاملة قد امتدت يدها الآثمة إلى المبيد الذي كان قد اشتراه قبل بضعة أيام، ووضعت منه في حليب ابنته.
وصل رجال الشرطة، فور الإبلاغ، إلى منزل المبلغ للمعاينة، فتم تحريز الحليب المشتبه بتلوثه، فضلاً عن تحريز مبيد القوارض، تمهيدًا لإحالتهما إلى مختبر الأدلة الجنائية من أجل الفحص الفني.
تم استجواب المتهمة من قبل الادعاء العام، فأنكرت في بداية الأمر علاقتها بالواقعة بيدَ أنه وبمواجهتها بالأدلة الفنية القائمة ضدّها، المتمثلة في تقرير المختبر الجنائي، الذي أثبتت وجود مادة سامة في حليب الطفلة، عبارة عن مبيد للقوارض، تم أخذه من ذات المبيد المحرز بمنزل كفيلها اعترفت تفصيلاً بفعلتها، حيث أكدت بأنها طحنت كمية من مبيد للقوارض، كانت قد وجدته بمنزل كفيلها، وخلطته مع بودرة الحليب الخاص بالمجني عليها، وأن قصدها من إتيان هذا الفعل انصرف إلى قتل الرضيعة.
وبانتهاء التحقيقات قرر الادعاء العام إحالة المتهمة إلى المحكمة المختصة مكانيًا بنظر الدعوى، لمحاكمتها عن جناية (محاول القتل العمد) المؤثمة بنص المادة (235) بدلالة المادة (86) من قانون الجزاء رقم:(7 /74).
وبمباشرة المحكمة التحقيق النهائي، ومواجهة المتهمة بالجرم المُسند إليها من قبل الادعاء العام، أكدت على الاعترافات التي أدلت بها أمام الادعاء العام، مُشيرة إلى أن هدفها اتجه إلى إزهاق روح المجني عليها، لعدم رغبتها في البقاء في السلطنة ولا العمل لدى كفيلها ـ والد الطفلة ـ الأمر الذي قادها إلى وضع المادة السامة في الحليب، كما استمعت المحكمة إلى شهادة والدة الطفلة وكيفية اكتشافها للواقعة.
استقر وجدان المحكمة، بعد انتهائها من إجراءات التحقيق القضائي، إلى قناعةٍ تامة وبإجماع الآراء، بمقارفة المتهمة للجرم المنسوب إليها، وإدانتها بجناية (محاولة قتل طفلة)، ومعاقبتها عن ذلك بالسجن لمدة سبع سنوات ونصف، وبطردها من البلاد مؤبدًا بعد انقضاء العقوبة، وهو الحكم الذي يراه الادعاء العام رادعًا لكلِّ من تُسوِّل له نفسه العبث بحياة الآخرين لاسيما وإن كانت تلك الأفعال تعرض حياة الأطفال للخطر، بصرف النظر عن الأسباب والبواعث.
إن لطف الله وعنايته أدركت المجني عليها، بسبب ملاحظة والدتها لتغير لون الحليب، والسؤال هنا موجه للجميع، كم من الامهات لديهن اهتمام حقيقي في ملاحظة بعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة بطفلها وغذائه، وكم من الأمهات اللاتي يوكلن مهمة إطعام أطفالهن لرحمة عاملات المنازل دون أدنى رقابة أو متابعة، على الرغم من تواجد الأم بالمنزل!.
إن بعض التفاصيل البسيطة قد تصنع الفرق في حياتنا وحياة أطفالنا، كما أن العديد من حالات التهاون في تربية الأبناء قد تقود بشكل أو بآخر إلى نتائج سلبية لا تحمد عقباها، على الرغم من إمكانية تلافيها .. أطفالنا أمانة في أعناقنا، فلنحافظ عليهم.

إلى الأعلى