الإثنين 14 أكتوبر 2019 م - ١٥ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الأسطورة في عمان ـ مقاربة تاريخية ـ ( 2 )
الأسطورة في عمان ـ مقاربة تاريخية ـ ( 2 )

الأسطورة في عمان ـ مقاربة تاريخية ـ ( 2 )

فهد بن مبارك الحجري:
مظاهر أسطورة إله النور(الصواعق) المتشظية إلى حكاية (الياهل)الشعبية في جبال الحجر الشرقي في عُمان:
من خلال تتبعنا لحكاية الياهل الشعبية صادفنا مصطلح (المكّي)، وهو صفة الكائن الخرافي في الحكاية، ويعني في اللهجة المحلّية (اللّين)على اعتبار أن الكائن الخرافي جسده ليّن؛ ومن ناحية أخرى إذا تتبعنا هذا المصطلح سوف نجد له جذورا أوليّة؛ إذ أن ماكا أو ماكية في اللغة الفارسية القديمة تعني “الذين يقيمون في البحر لفترات”؛ كذلك ذكرت الدكتورة أسمهان الجرو أستاذ التاريخ القديم في جامعة السلطان قابوس في كتابها “مصادر تاريخ عمان القديم”(9)أن النصوص الفارسية تطلق على عُمان اسماً أخر وهو(ماكا)، إذ تكرر الاسم في عدد من النقوش والرسوم الأخمينية التي تعود إلى الملك دايوس الكبير (521- 485ق.م)؛ وقد ذكرها المؤرخ اليوناني هيرودوتس باسم (مكيا)؛ كذلك لا يمكن أن ننسى السيطرة الفارسية على بعض مناطق الساحل الشرقي في عُمان قديماً؛ كل هذه المعطيات سوف تقودونا إلى التأثير الفارسي العميق على عُمان، وممارسة التراث الفارسي على هذه الأرض، كما يدلّ احتفال بعض مناطق ساحل عُمان بالنيروز العيد الفارسي الذي ارتبط بالإله ميثرا في الأسطورة الفارسية، إذ يعتبر ميثرا إله النور ومساعداً للإله أهورامزدا، وبالتقادم بدأت تتلاشى هذه الأسطورة على أرض عُمان ومن بقاياها وتشظيها هي حكاية الياهل الشعبية في جبال الحجر الشرقي، وعيد النيروز الذي يحتفي به بعض السكان كنوع من الفولكلور، كذلك وجود القبور البرجية التي تعطي مؤشرا على ممارسة طقس جنائزي بنفس طريقة الطقوس الجنائزية في عقيدة الإله ميثرا؛ ورغم صعوبة الوصول إلى هذه النتيجة إلّا أن الدلائل تؤكد وجودا لميثرا وطقوسه في عُمان قديما.
مظاهر أسطورة إله المطر والخصب:
من الملاحظ على موقع شَنْه الأثري تأثير حضارة جنوب شبه الجزيرة العربية في المكان من خلال وجود بعض الكتابات العربية الجنوبية القديمة كنقوش على الصخر، كذلك ما لفت الانتباه كثرة رسوم الوعل الصخرية في المكان، ومن خلال تتبعنا لهذه الرسوم فقد وجدنا أن قرية شّنّه هي أكثر منطقة مكتشفة في عمان تتواجد فيها رسوم الوعل الصخرية بتلك الكثرة، لذلك نجد أن الوعل له خصوصية في ديانات جنوب الجزيرة العربية.
إذن، ما الذي قادنا إلى وجود إله المطر والخصب في موقع شَنْه الأثري في جبال الحجر الشرقي العُماني؟
للإجابة على هذا السؤال سوف نركز على النقاط التالية:
- المكان في شَنْه يعتمد اعتمادا رئيسياً على الزراعة، إذ تعتبر المصدر الرئيسي للحياة في المكان.
- التربة الخصبة في المكان والتي تشكّلت بسبب عوامل التجوية والتعرية وعلى اعتبار أن المكان نقطة منخفضة بالمقارنة مع الأماكن المحيطة إذ تنزل الأمطار بها وتشكل المجاري المائية وتفتت التربة في تلك المنطقة الجبلية.
- أهل القرية يُرجعون اسم قريتهم (شّنّه) إلى كثرة المياه عند هطول الأمطار، وتتشكل بحيرات عذبة تساعد على استمرار الحياة في المكان، وفي المعجم الوسيط: الشُنانُ: السحاب يشنُّ الماءَ والماء البارد؛ ويقال ماءٌ شُنان: أي متفرق.
- تشابه رسمين اثنين الأول في عُمان والآخر في اليمن، وهو إهداء من ملك سبأ وذي ريدان بمناسبة بناء معبد شكعن، إذ وضع على مدخل المعبد.
طبيعة الرسمين هو أن كليهما يحملان شجرة على الظهر، وهذا له دلالة دينية، وكممارسة لطقس معين، هو طلب الاستمطار في موقع الدراسة (شَنْه)، لذلك وجود الوعل له مرجعية ثقافية دينية جنوبية ، كما أن كثرة رسوم الوعل في موقع شنه الأثري يقودنا إلى وجود ثيمة مرتبطة بطقوس الصيد المقدسة، وعلى اعتبار أن الوعل حيوانا مقدساً؛ وهذا يفتح لنا الباب للقول على أن المعبود (عثتر) الجنوبي والمرتبط بالمطر والخصب والزراعة كان حاضراً في شمال عُمان، ولكن ربما بصيغة مختلفة عمّا في جنوب شبه الجزيرة العربية في فترة نشاط هجرات القبائل الجنوبية إلى شمال الجزيرة العربية، وربما أحيانا للتوسع والتمدد، حيث كانوا حاضرين بتراثهم وعباداتهم في الأماكن التي استقروا فيها.
مظاهر أسطورة لإله سين (إله القمر) في جنوب عُمان (ظفار):
من بين الأسباب الرئيسية لبناء مدينة سمهرم التاريخية هو السيطرة على تجارة البخور والُلبان؛ إذ كان الُلبان هو السلعة الرئيسية التي كانت حاضرة بقوة، ودخولها في طقوس عبادة الإله سين.
لقد أشارت أعمال التنقيب الأثرية في موقع مدينة سمهرم إلى وجود معبدين ارتبطا بالديانة القمرية، الأول داخل المدينة والثاني خارجها؛ وقد عثر على مجموعة من اللقى الأثرية والتي تعطي مؤشرات على وجود الاغتسال المقدس وموائد النذور والقرابين في معبد الإله سين.
كما عثر على لوح من البرنز نقش عليه بخط المسند الجنوبي يوضح أن “نائب الملك قام بإهداء إله القمر (سين) في معبد مدينة سمهرم هذا اللوح البرونزي شكراً على حمايته في إحدى رحلاته”(10)إذن فإن مظاهر أسطورة الإله سين في جنوب عُمان مثّلت حتى الآن التمظهر الثالث للأسطورة في عمان.
خاتمة..هذه التمظهرات الثلاثة للأسطورة في عُمان قد تكون الإشارة الأولية لوجودها في المكان، لكن يمكن الرجوع لهذه الأسطورة في المناطق البدائية التي انطلقت منها، وتتبع نسقها الأولي، حتى الآن لم نجد نصوصاً مقدسة تتحدث وتروي الأسطورة في عُمان؛ وعلى اعتبار أن الأسطورة تتحرك في كل مكان بدون حواجز وتتأثر بها الشعوب وتقدسها، لكنها عندما تتفكك فإنها تتحول إلى ملحمة أو حكاية شعبية كما حدث مع إله النور في جبال الحجر الشرقي العُماني، وقد تختلط بها الخرافة، لكنها تظل حاضرة بمظاهرها.
في نهاية المطاف يمكن القول أن هناك ثلاث أساطير في عُمان قديماً، وهي أسطورة إله النور والصواعق وإله المطر والخص في جبال الحجر الشرقي العُماني، وأسطورة الإله سين (إله القمر) في جنوب عُمان في (ظفار).

المراجع

(9) الجرو، أسمهان سعيد: مصادر تاريخ عُمان القديم، ط1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان،2006م، ص88.
(10) خور روري (سمهرم) بعد ستة أعوام، تقرير صادر عن مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية،2015م،ص13.

إلى الأعلى