الإثنين 14 أكتوبر 2019 م - ١٥ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أميركا وإيران .. وصراع اللاحرب واللاسلم

أميركا وإيران .. وصراع اللاحرب واللاسلم

محمد عبد الصادق

الصراع بين إيران والولايات المتحدة الأميركية ليس وليد اللحظة, بل صراع مستمر وممتد منذ سقوط عرش شاه إيران محمد رضا بهلوي حليف أميركا القوي والذي خطط الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ليقوم بدور “عسكري الخليج” بعد انحسار الوجود العسكري البريطاني في المنطقة في سبعينيات القرن الماضي, وتعاظمت في عهده القوة العسكرية للجيش الإيراني بفضل السلاح الأميركي وخصوصا سلاح الجو الإيراني الذي زوده الشاه بأحدث طائرات الفانتوم وأف 4 وهي أحدث الطائرات الأميركية المقاتلة في ذلك الوقت, ولم يكن يمتلكها سوى الجيش الأميركي وإسرائيل.
تعاظم النفوذ الإيراني في الخليج, وأغرى ذلك شاه إيران بالاستيلاء على الجزر الإماراتية, وإلغاء اتفاقية الحدود مع العراق وتقاسم مياه شط العرب معه بعد التوقيع على اتفاقية الجزائر في العام 1975م, التي وقعها صدام حسين نائب الرئيس وقتها على مضض تحت ضغط اختلال ميزان القوى لصالح إيران.
عقب نجاح الثورة الإيرانية وعودة الإمام الخميني إلى إيران في العام 1979م وما تلا ذلك من احتلال الطلاب الإيرانيين الثائرين للسفارة الأميركية في طهران واحتجاز 52 دبلوماسيا أميركيا؛ احتجاجا على رفض واشنطن تسليم الشاه لإيران وفشل عملية تحريرهم التي تسببت في حرمان الرئيس الأميركي جيمي كارتر من الفوز بفترة رئاسية ثانية, ونجاح منافسه الجمهوري الممثل السينمائي رونالد ريجان الذي كان أول قرار اتخذه هو التوقيع على اتفاقية إطلاق صراح الرهائن وعودتهم إلى أميركا.
تخلت أميركا عن حليفها المخلوع عن عرشه ورفضت استقباله على أراضيها خوفا من ردة فعل الإيرانيين، وظل الرجل طريدا مريضا ترفض الدول الأوروبية واللاتينية استقباله حتى قرر الرئيس المصري الراحل أنور السادات إرسال طائرة خاصة للشاه في منفاه واستقباله في مصر ليبقى فيها حتى وفاته ودفنه في الأراضي المصرية وسط حالة من الجحود الأميركي والغربي تجاه حليفهم المخلص؛ الذي وصمه خصومه بالعمالة للغرب والأميركان.
خلفت الأحداث المتلاحقة مرارة في حلق الأميركيين تجاه النظام الجديد في إيران، واستمرت حالة التوتر والمد والجزر في العلاقة بين البلدين سنوات طويلة, ساند خلالها الأميركان صدام حسين سياسيا ودبلوماسيا في حربه ضد إيران في ثمانينيات القرن الماضي, وانحازت معظم دول الخليج للعراق خشية تصدير الثورة الإيرانية, استمرت الحرب زهاء ثماني سنوات حقق خلالها العراق انتصارات في البداية نتيجة تسريح النظام الإيراني الجديد قطاعات واسعة من الجيش الإيراني وسجن عدد كبير من الطيارين, بدعوى انتمائهم للنظام البائد, ولكن سرعان ما تدارك الإيرانيون الأمر واستعانوا بالكفاءات العسكرية واستطاعوا انتزاع الأراضي التي احتلها صدام وانتهت الحرب بفوز معنوي للإيرانيين وبزوغ نجم الحرس الثوري الإيراني الذي أبلى بلاء حسنا في المعركة.
عكفت إيران على بناء قدراتها العسكرية وتطوير برنامجها النووي وإنتاج الصواريخ البالستية, مستغلة انشغال أميركا والمنطقة بحرب تحرير الكويت ومن بعدها أحداث 11 سبتمبر والحرب في أفغانستان وما تلاها من الغزو الأميركي للعراق.
انتهجت إيران سياسة خارجية مستقلة, مناوئة للتوجهات الأميركية وحليفتها إسرائيل, فساندت القضية الفلسطينية ودعمت الفصائل الفلسطينية في صراعها مع إسرائيل, وأقامت علاقة قوية مع حركات المقاومة الفلسطينية في نضالها للتصدي للاعتداءات المتكررة للكيان الصهيوني على الضفة وغزة, وحافظت على علاقتها القوية مع سوريا في مواجهة التهديدات الإسرائيلية ومحاولات التقسيم بعد أحداث العام 2011م.
ساندت إيران المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله في التصدي للعدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان في العام 2000م, كما دعمتها في حرب تموز في العام 2006م.
حرضت إسرائيل ضد إيران متهمة إياها بالسعي لإنتاج سلاح نووي, وبضغط من الولايات المتحدة تم فرض عقوبات اقتصادية دولية قاسية ضد إيران استمرت سنوات, صمدت إيران أمام الحصار والضغوط الاقتصادية, واستطاعت بعد جهود دبلوماسية مضنية, توقيع اتفاق نووي في العام 2015م مع القوى العظمى, نص على رفع العقوبات الاقتصادية مقابل التزام إيران بسلمية البرنامج النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش, وكان لوجود الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الفضل في تحقيق الاتفاق, بعد رفضه جميع الضغوط الإسرائيلية لإفشال الاتفاقية وسعى أوباما جاهدا لتهدئة التوتر مع إيران.
بعد رحيل أوباما, قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي, وتشديد العقوبات الأميركية المفروضة على إيران, وهدد بمنع إيران من تصدير نفطها والوصول إلى صفر تصدير كما أعلن “ترامب”, وهو الأمر الذي ردت عليه إيران, بإعلانها بأنه إذا منع نفطها من التصدير, فستمنع النفط من الخروج من منطقة الخليج, ورغم اشتعال الوضع وقرع طبول الحرب, ولكن أميركا وإيران استبعدتا الوصول لمرحلة الحرب, والبقاء في منطقة اللاسلم واللاحرب, وهي وضعية صعبة, تجعل منطقة الخليج في حالة من الاستنزاف وعدم الاستقرار.

إلى الأعلى