الإثنين 14 أكتوبر 2019 م - ١٥ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / من المستفيد من إشعال الصراع في العالم؟
من المستفيد من إشعال الصراع في العالم؟

من المستفيد من إشعال الصراع في العالم؟

منذ تولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الأمور في الولايات المتحدة ومستويات الصراع في تزايد مستمر، لدرجة باتت تنذر حسب العديد من الخبراء والمحللين بحرب عالمية ثالثة، ولا يعرف على وجه الدقة المستفيد الحقيقي من إشعال هذه الصراعات، خصوصا وأن انعكاساتها السلبية باتت ظاهره وتنذر بعواقب وخيمة، فالرئيس ترامب لم يترك دولة صديقة أو غير صديقة إلا ونابذها العداء بداية من حلفائه الأوروبيين وانتهاء بإيران، ظنا منه أن سياسة الإدارات الأميركية السابقة كانت خاطئة وكلفت الخزينة الأميركية مليارات الدولارات وأنه قد حان الوقت لإعادة استرداد تلك الأموال، واهما الشعب الأميركي أن بمقدوره تحسين مستوياته المعيشية، ومعتمدا على أن الأميركيين لا ينشغلون إلا بالمسائل الاقتصادية، أما مسائل العلاقات الخارجية وغيرها من المسائل السياسية التي تنتهجها إدارتهم فلا تستحوذ على مساحة كبيرة من الاهتمام الأميركي، وأنه بذلك يضمن إعادة انتخابه مرة ثانية. إلا أن تلك الرؤية تشوبها العديد من الأخطاء وهي لا تقود إلا لفقدان الشعب الأميركي رفاهيته الاقتصادية وفقدان الولايات المتحدة ريادتها وهيمنتها على الصعيد العالمي.
فالشعب الأميركي وإن كان المستفيد بشكل مؤقت في الوقت الحالي من سياسات رئيسه المعادية لأغلب دول العالم، إلا أنه على المدى البعيد سوف تفقد الولايات المتحدة عناصر قوتها وسوف تتسبب سياسات الإدارة الحالية في نشوء قوى دولية أخرى كالصين وروسيا والهند وتركيا وغيرها من الدول التي قد تتحالف ضد المصالح الأميركية وتفقدها العديد من المكاسب التي تظن إدارة ترامب أنها تضمن تحقيقها واستمرارها للشعب الأميركي.
فعلى الصعيد الاقتصادي لا يمكن للصين ولا للهند ولا حتى لدول الاتحاد الأوروبي الحليفة لواشنطن أن تستمر في مسايرة ومسايسة الولايات المتحدة خوفا من قرارات الإدارة الأميركية الحالية المتهورة والتي من شأنها أن تفقد تلك الدول الكثير من مصالحها، وقد لاحظنا بالفعل أن الصين وبالرغم من عدم رغبتها في الدخول في صراع مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي، إلا أنها تعمل على مواجهة العقوبات الأميركية على منتجاتها بالمثل، وكذلك تعمل الهند وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن الخسائر سوف تكون مشتركة، وأن الجميع في النهاية سوف يدفع ثمن التهور الأميركي، وهو ما قد يدفع بتلك الدول للبحث عن نظام دولي جديد يضر بموقع الولايات المتحدة ويفقدها قدراتها وقوتها وهيمنتها على الصعيد العالمي.
والناظر إلى منطقة الشرق الأوسط يلحظ كذلك أن الإدارة الأميركية لا تكتفي بالصراع الاقتصادي مع حلفائها، وإنما تعمل على إشعال فتيل الصراعات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا مع إيران التي نجحت الإدارة الأميركية السابقة في عقد اتفاق نووي معها حيدت بموجبه التوجه الإيراني صوب امتلاك القنبلة النووية، ولكن جاء الرئيس ترامب لينقض هذا الاتفاق ويشدد الحصار على إيران بالشكل الذي بات ينذر بخطر شديد على الأمن الإقليمي والدولي، وهي سياسة تدينها روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي التي ترفض حتى الآن الانصياع للتهديدات الأميركية وتطالب بحل وسط للخلاف مع إيران، وفي حال استمرار تلك السياسة فإن النظام الجديد لن يكون فقط دوليا وإنما كذلك بمشاركة دول إقليمية قوية كتركيا وإيران اللتين باتتا على خلاف كبير مع التوجهات الأميركية في المنطقة.
إن المستفيد الحقيقي من اشتعال الصراع في المنطقة والعالم لن يكون في حقيقة الأمر الشعب الأميركي ولا الشعوب الأوروبية، ولا غيرها من شعوب العالم التي ستدفع ثمنا باهظا لسياسات غير منضبطة تقودها حكومات متهورة تسعى لتطبيق أجندات مشبوهة لا تصب إلا في صالح لوبيات صناعة الأسلحة في العالم والتي لا تسعى إلا لإشعال الحروب والصراعات من أجل جني تريليونات الدولارات غير عابئة بأروح ومقدرات الشعوب التي تروح ضحية هذه الأجندات المشبوهة.

د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى