الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوباما أَمْ أبرام العبراني؟!

أوباما أَمْ أبرام العبراني؟!

جواد البشيتي

في أسطورة توراتية، هي أسطورة “الوعد الرَّبَّانيِّ لأبرام العبراني”، جاء أنَّ الرَّب كلَّم أَبرام العبراني، فقال له واعِدًا إنَّ هذه الأرض الواسعة الشاسعة الممتدة من نهر مصريم (أيْ النيل) إلى نهر فرت (أيْ الفرات) يَمْنَحها لنسله؛ وفي القلب منها تشمل هذه الأرض فلسطين، التي كانت مأهولة لدى صدور هذا الوعد الرَّبَّاني (قبل آلاف السنين من صدور وعد بلفور البريطاني).
واليوم، حيث أعلن الرئيس أوباما استراتيجيته للقضاء على تنظيم “داعش” الإرهابي بـ”حَرْبٍ فريدة”، وإنْ فَضَّل اجتناب “الحرب” تسميةً لها، نرى شيئًا شبيهًا؛ فالولايات المتحدة، التي عَقَدَ لها التاريخ الزعامة على العالَم، واختَّصها بـ”قدرات فريدة”، تغنَّى بها الرئيس أوباما، شَرَعَت تُوزِّع “المُلْك” و”الأوطان”، وتَصْطَفي أقوامًا، تَمْلكهم، فَتُمَلِّكهم؛ وكأنَّها الرَّب يتَّخِذ بني إسرائيل شعبًا له، مُفَضِّلًا إيَّاه على العالمين!
وإنَّ “أرض الميعاد (الجديدة)”، في هذا القرن الحادي والعشرين، تَضُمُّ مناطق من شرق وشمال سوريا، ومن غرب وشمال العراق، ويَقْطُنها الآن “قَوْمٌ جَبَّارون”، يُسَمَّوْن “داعش”؛ والبحث جارٍ الآن عن “أقوام تحبهم الولايات المتحدة، ويحبونها” حتى تَنْقُل إليهم مُلْك هذه الأرض من قَوْم “داعش” الإرهابيين الهمجيين الوحشيين الجبَّارين؛ فـ”صاحِب الوعد”، وصاحب “القدرات الفريدة”، سيَفْعَل بهذا “القَوْم” ما فُعِلَ بأصحاب الفيل، فيُرْسِل عليهم طَيْرًا أبابيل، ترميهم من الجوِّ بحجارة من سجِّيل، حتى يصبحوا كعصف مأكول؛ فإذا أصبحوا كعصف مأكول يَزْحَف إليهم، وعليهم، “القَوْم الطِّيبون”، الذين أشهروا إيمانهم بسيِّد العالَم، وأصبحوا “المارينز” العرب، في ولائهم ووعيهم وشعورهم، وأدُّوا، وأحسنوا تأدية، الفروض والواجبات، فمَوَّلتهم ودرَّبَتْهُم وسلَّحتهم وجهَّزتهم.. الولايات المتحدة، فنالوا شَرَف القتال على الأرض، واقتحموا، وطهَّروا، وملأوا كُلَّ “فَرَاغٍ” تُخلِّفه الضربات الجوية (الأبابيلية).
مِنْ قَبْل، كانت الولايات المتحدة تكتفي باحتضان ورعاية ودعم وتمويل وتدريب وتسليح وتجهيز.. مَنْ تَعْتَقِد بولائهم لها في حروبها، والتي كانت تُفضِّل الزَّج بجيوشها البرية فيها؛ فهي التي تغزو وتَقاتِل على الأرض وتحتل وتُسَيْطِر؛ ثمَّ تتوفَّر على نَقْلِ السلطة إلى هؤلاء الأصدقاء والحلفاء؛ لكنَّ خسائرها البشرية، وعلى ضآلتها النسبية، كانت أعظم من أنْ تَحْتَمِلها؛ وكثيرًا ما ذهبت النتائج (العملية الواقعية) النهائية لحروبها بما تَوقَّعَت، وبما أرادت بلوغه من أهداف وغايات؛ فاشتدت لديها الحاجة إلى “استراتيجية جديدة”، تخوض بها حروبها بأقل قدر ممكن من الخسائر بالأنفس والأموال التي تخصها.
في بضعة أيام، احتلَّ “داعش (الخارِق)” نحو رُبْع أراضي بلاد الرافدين؛ أمَّا سيِّد العالَم فيحتاج، مع ما يتمتَّع به من “قدرات فريدة”، ومع تحالفه الدولي الواسع، إلى نحو عشر سنوات لـ”تحرير” ما احتله “داعش” من أرض!
إنَّه زمن لا تفسير، ولا تعليل، لطوله إلاَّ الرغبة في “التأسيس والبناء” لقوى من أهل العراق وسوريا، ومن سائر أهالي الجوار الإقليمي، تَخْدم، وتُحْسِن الخدمة، في الجيش الإمبراطوري العالمي للولايات المتحدة، وتكون جديرةً بثقة سيِّد العالَم، تَحْكُم عنه، وله، ولا تَرْتَكِب “الخطيئة الكبرى” لأسلافهم.. خطيئة “.. فاذهب أنتَ وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون”!
“داعش” يتحدَّى الآن الولايات المتحدة، مع حلفائها (من دول غربية وعربية) في الحرب عليه، أنْ تَنْزِل إلى الأرض، وأنْ تُقاتِله في حرب برية؛ إنَّه يَطْلُب هذا القتال البري، وينتظره؛ وإنَّه لأَمْرٌ لا جدال فيه أنْ لا حسم لهذه الحرب إلاَّ بالقتال على الأرض؛ فمتى يَذْهَب هذا التحالف الدولي (والإقليمي) الجديد إلى الحرب البرية (حيث يسيطر “داعش” في العراق وسوريا)؟ ومَنْ سيكون مقاتلوه على الأرض؟ وأين سيُقاتِلون “داعش”؟ وكيف سيَخوضون حرب الحسم، أيْ الحرب البرية؟
إنَّ “المُهِمَّة الأولى والكبرى” الآن لتنظيم “داعش” هي أنْ يُقَلِّل قدر ما يستطيع الخسائر التي يمكن أنْ تُلْحقها الضربات الجوية والصاروخية به (بقيادته، ومقاتليه، وأسلحته، وذخيرته) مع بقائه مُحْتَفِظًا بالسيطرة على الأرض والسُكَّان في “دولته”. وهذه المُهِمَّة تُنْجَز بتَمَوْضُع قسم من مقاتليه وسائر قواه العسكرية والقتالية بين المدنيين، وباحتكاره السلاح حيث يسيطر (ويَحْكُم) من طريق نَزْع السلاح من أيدي الناس، ومن أيدي غير الموالين له، وبنشر وتوزيع قسم ثانٍ من قواه العسكرية والقتالية في أماكِن متباعِدة، حصينة لأسباب طوبوغرافية وطبيعية، مستفيدًا من اتِّساع رقعة إقليم “دولته”، وتَنَوُّع الخصائص الطوبوغرافية والطبيعية لهذا الإقليم، وببناء شبكة أنفاق (في الخطوط الأمامية، وفي الخط الحدودي بين العراق وسوريا، على وجه الخصوص) تشبه الشبكة التي ابتنتها “حماس” في قطاع غزة.
“الحرب عن بُعْد”، أيْ الضربات الجوية والصاروخية، يُفْتَرَض أنْ تستمر بضعة أشهر لإنهاك واستنزاف “داعش”، وقواه العسكرية، ولاستثمار هذا الوقت في إعداد وتدريب وتجهيز وتسليح قُوَّة من “المعارَضَة السورية المعتدلة”؛ فهذه القُوَّة هي التي سيُزَجُّ بها في القتال الأرضي، الذي غايته انتزاع الأراضي والمواقع من سيطرة “داعش”، الذي أنهكته، وتنهكه، الضربات الجوية؛ وهذا لا يعني أنَّ التحالف الدولي (والإقليمي) لن يزجَّ بقوى أخرى في المعارِك البرية المقبلة. وهذه القوى (غير السورية) يمكن أنْ تَعْبُر إلى حيث يسيطر “داعش”، في سوريا، من أراضٍ عراقية، كردية، وعربية سنية، ومن أراضٍ تركية؛ كما يمكن إنزال بعضها من الجو.
حتى الآن استطاعت الولايات المتحدة تحييد منظومة الدفاع الجوي السوري، فشَنَّت ضرباتها الجوية في أَمْنٍ وأمان؛ لكن، هل تستطيع، مستقبلًا، مَنْع الجيش السوري من أنْ يُبادِر هو بالتَّقَدُّم، و”ملء الفراغ”، وانتزاع الأرض والمواقع من “داعش”؟!
وهل تستطيع منعه من أنْ يَمْنَع مقاتلي “المعارَضَة المعتدلة” من فِعْل الشيء نفسه؟!
ما نراه الآن إنَّما هو “الأسهل” في هذه الحرب؛ أمَّا “الأصعب” فَلَم نَرَهُ بَعْد!

إلى الأعلى