السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الناتج القومي العراقي من الآلام!

الناتج القومي العراقي من الآلام!

عادل سعد

ليست مقاضاة لأحد أن يشار إلى انعدام البينة السياسية التي تأخذ بالاعتبار كم هي متاعب العراقيين، وكم دفعوا من (ضرائب) هائلة من الدم والخوف والتغييب والجزع أيضًا، وفي كل ما يجري الآن لم يلتقطوا الأنفاس أو يعيدوا ترتيب أولوياتهم ضمن اتفاقات تشمل جميع المكونات المؤثرة في الأحداث الجارية.
هناك من يجد في أسبقية إيقاف قصف المدن والبلدات العراقية مدخلًا للحل من دون أن يشير أحد إلى الوقت المخصص لذلك، وهناك من يرى أنه لا بدّ من عودة القصف لتسريع انتزاع هذه المدن والبلدات من أيدي المسلحين.
هناك من يرى أنه لا بدّ من الاستجابة للمطالب الكردية كمدخل للوفاق بين أربيل وبغداد، وهناك من يقول إن خطة الكرد العراقيين هي من أجل (أخذ الجمل بما حمل) وبعدها تجري حفلة توديع انفصالي.
هناك من يعتقد أن واحدًا من المطبات الحكومية هي في توزيع الحقائب الوزارية على أساس الحصص (هذا لك وهذا لي)، وهناك من يقول هذه ليست حصصا طائفية ومناطقية وإنما قسمة مطلوبة لمشاركة الجميع في حكومة الوحدة الوطنية!!
هناك من يقول لا توجد كتلة سياسية واحدة ترضى لمكونها أن يكون معارضة لأن الحكم بالوصفة العراقية الحالية غنائم، والشاطر من يستولي على حصة من هذه الغنائم، وهناك من يمتلك براءة اختراع وامتياز في التذبذب والانتقال من موقف إلى آخر تحت سقف الغموض وليس الشفافية، وكأنه يريد أن يخدع الشيطان على وفق الوصفة الألمانية التي ترى أن (الذكي هو من يخدع الشيطان) مع فارق جوهري بين الخديعة بالنسختين الألمانية والعراقية، ففي ألمانيا يتم خداع الشياطين تحت الأضواء وأمام وسائل الإعلام وبالمنهج الشفاف والدفاع عن وجه النظر بالحقائق والقرائن، أو ينسحب من المشهد السياسي معتذرًا، بينما بالنسخة العراقية ينذر نفسه لخديعة الشيطان وهو يوحي الآخرين بأنه ملاك مقدس، مع العلم أنه لا يستطيع ذلك إلا بأنياب طائفية أو مناطقية مع إجادة متميزة في البكاء على الوطن والمواطن، وامتلاك امتياز في تحرير التهم جزافًا للآخرين وفي الوقت نفسه يدعي العصمة والنزاهة والحرص على المال العام.
وحريًّا بالتشبيه هنا أن أسد الغابة أمسك أشباله وتجول معهم في مملكته ليعرِّفهم على (الحرباء) من سكان هذه البيئة، بينما اكتفى في الحديث عن (السكان الآخرين) وهو في عرينه، هكذا تقول الأسطورة ويضيف راويها، عندما سأل أشبال الأسد أباهم لماذا تجولت بنا للتعريف بالحرباء بينما اكتفيت في التعريف بالآخرين من دون أن نشاهدهم، فقال: لأنني لا أستطيع أن أتحدث عن الحرباء بدقة فهي تتلون مع لون المكان الذي تتواجد فيه، ترى كم نحتاج من جولات ووقت لكي نتعرف على بعض السياسيين العراقيين الذين يستبدلون مواقعهم ويتخندقون في أكثر من متراس ويسيل لعابهم على هذه الحقيبة الوظيفية أو تلك، وكم نحتاج من رصد ومتابعة حقوقية ونحن نشهد يوميًّا حفلات زفاف وطبولا تدق ومطربين في هذا المكون السياسي أو ذاك.
إنها محنة عراقية أن يظل هذا البلد في ثنائية من الغنى والثراء وفي الإفلاس، وهي محنة أيضًا أن نعيش عراقيًّا متورطين بحالة من الانتظار المفتوح نتبارى في حجم الانتهاكات ويطالب بعضنا في تحقيق العدالة بتوزيع الآلام التي نتعرض لها بدل أن يسأل عن قيم التضامن التي تعيد له الثقة بانتهاء محنته، إذًا وأمام هذه الأهوال المتحركة لا مناص من استبدال القناعات الحالية بفرضية الأمل وتبديل بعض قطع غيار الضمائر السياسية المؤثرة !!

إلى الأعلى