الأحد 21 يوليو 2019 م - ١٨ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : التحولات الاقتصادية وهوية المواطن

في العمق : التحولات الاقتصادية وهوية المواطن

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق طرحنا للموضوع من الموقع الذي تشغله الهوية في حياة المجتمعات وقدرتها على التكيف مع كل المحطات والمعطيات والمتغيرات الحاصلة في العالم؛ وبدون الدخول في ترجيج من يشكّل الآخر ومن يسبق الثاني: الهوية أم الاقتصاد؟ إذ ليس من تعارض في الدور أو تقاطع في مسار العمل، ذلك أننا نعتقد بأن المعطيات العالمية جميعها، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية، والتحولات الناتجة عنها؛ حالة طارئة وسلوك وقتي قابل للتغيير والتحول، إذ تؤطرها في الغالب قرارات آنية وظروف وقتية، لذلك فهي بمفردها غير قادرة على استدراك موقع التوازن والوصول إلى الضبطية، والتزامها المعايير الأخلاقية وقدرتها على إحداث تحول إيجابي في حياة المجتمعات ومسيرة بناء الإنسان؛ دون حقنها بأنسولين الهوية وضبطها بالمبادئ والأخلاقيات والقيم والموجهات التي تضمن التزامها المعايير وقدرتها على المنافسة، وتحقق نواتج نوعية لها في حياة الإنسان، على أنه لا قيمة لهذه التحولات العالمية عندما تفتقر لمنظومة أخلاقية توجه بوصلة عملها، وتصحح معالمها، وتضبط مسارها، وتنتشلها من حالة السقوط وسوء الاستخدام وضعف التأثير، إلى قدرتها على صناعة تحول إيجابي، وترك بصمة إنجاز بشرية، لتصبح الهوية الخيار الاستراتيجي، الذي يرجح كفة المعادلة ويحسم القضية، فهي لغة إنسانية جامعة لخصال الخير والسلام والتنمية وتعبير دقيق عما تحمله الإنسانية من مشتركات وضمانات تولِّد بين البشر مساحات الالتقاء، وتعالج حالات الاختلاف بالاستفادة منها في تحقيق التكامل والتناغم، لذلك فهي حجر الزاوية في تشكيل هذه التحولات وإدارتها بطريقة تضمن قدرتها على تحقيق نواتج نوعية لصالح الإنسان بعيدة عن تجاذبات المصالح أو تشويه صورة العمل الإنساني الحضاري الذي اشتركت الإنسانية في صناعته.
ولمّا كان الاقتصاد العالمي يمر بتحولات في بنيته وهيكلته وتشريعاته ومحتواه الإنتاجي وطرق المنافسة والترويج، سمته التنوع والاتساع في ظل فضاء اقتصادي واسع بما يضمه من شراكات إقليمية، وشركات عابرة للقارات، وما ساهمت به من عملية انتقال القيم مع هذه البضائع والخدمات، والتنوع الحاصل في عمليات إنتاجها المختلفة، وما أوجدته من قيم اقتصادية عالمية، تطلبت المزيد من الوعي بها، والفهم لمقتضياتها، وتأطير المفاهيم الاقتصادية وإدخال المفردات الاقتصادية في لغة التعليم والمناهج والخطاب الإعلامي والمؤسسي الرسمي، وأدت التطورات الحاصلة في المنظومة الاقتصادية العالمية إلى تكوين اقتصاد له طابعه الجديد فتحول الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد معرفي، أصبح إنتاجه يتجاوز حدود الزمن والمكان، وعززت الشبكات والمنصات التفاعلية والتقنية واقتصاد الإنترنت من الاتساع في حجم التدفقات في مجال السلع والأموال والبضائع والخدمات والأفكار والبشر، بالشكل الذي ساهم في تقوية فرص المنافسة القائمة على تعظيم قيمة المعرفة والتثمير فيها، وترويجها وتعزيز إنتاجيتها للوصول إلى عوائد مالية واستثمارية ذات قيمة؛ في ظل توليد البدائل وتعظيم القيمة الإنتاجية للقيم والمبادئ والمهام، وتعزيز قوة الموارد الإلكترونية والمعلوماتية وإدارتها بالشكل الذي يضمن كفاءة وجود الرأسمال البشري وتعزيز حضوره في الواقع.
إن دور الهوية احتواء كل هذه التغيرات الحاصلة في عالم الاقتصاد والثورة الصناعية الرابعة في تعاطيها مع أولويات الإنسان ودخولها في تشكيل مساراته الحياتية، وما تتطلبه من أنشطة اقتصادية ووظائف قد تختلف عن الوظائف التقليدية الحالية، في ظل تقنية الذكاء الاصطناعي والروبرت والإنسان الآلي، وقدرة الحكومات على الاستمرار في توفير الوظائف في مواجهة زيادة الطلب المجتمعي عليها، كما شكلت الهوية محطة انطلاقة للإنسان في تقييم موقعه في التعامل مع هذه التحولات الاقتصادية، ومساحة الصلاحيات والحوافز الممنوحة له في إعادة إنتاجها، والممكنات النفسية والفكرية والأخلاقية والمهارية والأدائية التي يمكن في ضوئها توجيه هذه التحولات لصالح البناء الاجتماعي وترسيخ قيم مجتمع التنمية الشراكة، وفي الوقت نفسه توجيهها معالجة الأزمات والإخفاقات والإشكاليات والتحديات الاقتصادية الناجمة عن تدافع المصالح والأنانية في استئثار الحصول عليها، وفي التعاطي مع الجرائم الاقتصادية عبر التقنية والابتزاز الإلكتروني وعمليات الترويج والتسويق الشبكي الإلكتروني والمحافظ الورقية الوهمية وغيرها، بهدف تحصين المجتمعات وترقية النموذج الإنساني في التعامل مع الاقتصاد ومنصاته المتنوعة؛ فيتعامل معها بروح إنسانية راقية ويعمل على توظيفها في خدمة الإنسانية، وتوفير البدائل والحلول للإشكاليات التي تواجهها الإنسانية مثل: الفقر والجوع والمرض والجرائم واحتواء المشردين وحماية حقوق الإنسان.
من هنا كان تخوف عقلاء العالم من إغراق المجتمعات بالقيم المادية البحتة، والإعلاء منها دون الالتفات إلى القيم الأخرى غير المادية وما صاحبها من دعوات إلى وضع الاقتصاد في إطار الهوية واحتوائه بموجهات القيم والأخلاق والمبادئ منطلقا لإذكاء فقه التغيير الذكي الذي يؤسس لمرحلة متقدمة في حياة المجتمعات ويطور من أدائها ويبرز معالم التميز في سلوكها. ولا أدل على ذلك مما تعايشه الثقافات الشرقية، مثل: الصين والهند أو دول جنوب شرق آسيا ـ التي ما زالت محتفظة بهويتها بالرغم من التغيرات الحاصلة في واقع مجتمعاتها، فإذا كانت هذه المجتمعات الآسيوية قد شغلت العالم قديما بتوابلها وحريرها وإشعاعها الروحي والفكري؛ فإنها في المقابل أوجدت لها حضورا نوعيا متعدد الاهتمام والأبعاد في الخريطة الاقتصادية العالمية، فأصبحت محط أنظار العالم لاكتشاف سر النجاح الذي رافق هذا التطور الاقتصادي والتقني والتكنولوجي، مع بقاء خيوط التواصل وخطوط التأثير في الواقع الاجتماعي وأساليب العيش والحياة، قائمة؛ إنها “الهوية” التي صنعت خلالها معادلة القوة، وأسست مسار التحدي، وأوجدت الإنسان الذي يفكر عالميا ويطبق محليا، فاستفاد من الخبرات والتجارب الدولية وعكسها على واقعه الاجتماعي بشكل حافظ فيه على تراثه وتاريخه وهويته وقيمه ومبادئه ومعتقداته، لذلك بقي حبل التواصل وجسر الاهتمام ممتدا مع التاريخ والحضارة ومؤسسات النجاح والمواقف التي شكلت مسار تحول لنهضة اقتصادية وتكنولوجية لم تتمرد على القيم والمبادئ، ولم تتنكر لها؛ بل أصبح الاقتصاد والتكنولوجيا والتقنية تسير جنبا إلى جنب مع الهوية والتراث والتاريخ والقيم والمبادئ والالتزامات الاجتماعي؛ مستفيدة من التجارب الغربية دون التخوف من ضياع هويتها الثقافية؛ لذلك ظلت المنظومة القيمية والأخلاقية والمبادئ محتفظة بموقعها، حافظة لمسارها؛ بالرغم من تطور أدوات العمل وآلياته وأساليبه، بما يعبر عن هوية المجتمع وثقافته ويؤطر لمسار القوة فيه والمنهجية، للقناعة بأن الاهتمام براس المال البشري هو الثروة الحقيقية للتنمية والطريق لبناء مجتمع الاقتصاد وموقعه في الخريطة الاقتصادية الجدولية.
وفي الحالة العمانية شكل الرصيد الثقافي والفكري والاجتماعي والأخلاقي النابع من القيم الإسلامية النبيلة منطلقا لرسم مسار واضح لموقع الهوية الوطنية في ظل التحولات الاقتصادية الحاصلة، بما يمثله من قيمة حضارية تعبر عن هوية المجتمع العماني المسلم في أصالته وريادته وأخلاقه وقيمه، فالوقف والعمل التطوعي والمسؤولية الاجتماعية وغيرها ميادين لتنويع مصادر الدعم والتمويل الاقتصادي، ومسارات اقتصادية تتناغم مع منطق الهوية وتؤسس لتوليد فرص أكبر للتنافس وبناء القدرات الوطنية وتعميق ثقافة العمل المؤسسي باعتبارها ركيزة أساسية في اقتصاد المعرفة والاستدامة الاقتصادية، في ظل التزامها الشفافية والوضوح ومرونة التشريعات وكفاءة قوانين العمل، كإطار يجسد معالم الهوية ويترجمها ويؤطرها في ظل فلسفة متوازنة وقناعات متقاربة تؤسس لنمو الابتكار والتطوير والمنافسة، لتشكل ثقافة العمل الإطار الحاكم الذي يجتمع حوله الأفراد ويؤسس لها فرص الابتكار والتطوير والمنافسة؛ لذلك فإن المراهنة اليوم على الهوية في إعادة رسم ملامح الاقتصاد العالمي وإدارة التحولات الحاصلة في منظومة الاقتصاد ومعالجة الإشكاليات والأزمات الاقتصادية؛ ينطلق من استشعار المواطن لطبيعة الدور الذي يمارسه، والممكنات القيمية والأخلاقية والمعرفية والتجارب والنماذج المضيئة والخبرات التي يمتلكها في توظيف هذه التحولات لصالح بناء المجتمع وتوجيه الموارد والتثمير فيها.
وتصبح الهوية بذلك إطار عمل جامعا ومساحة تتسع لجميع الكيانات المجتمعية التي يشكل الاقتصاد جزءا رئيسيا فيها، فيطبع المواطن هويته الاقتصادية في ظل احتكامه إلى مبادئ وأخلاقيات الإنسان العماني وقيمه التي تتجسد في حب العمل والتفاني فيه، وما اتخذه العمانيون في تاريخهم الطويل من محطات للعمل والإنتاج والمنافسة والتطوير والتجديد، وهي بذلك ثقافة أصيلة ترسم ملامح التحول وتؤسس لمزيد من الثقة بالنفس والاعتماد على الذات وتمكين الموارد البشرية الوطنية وتأطير قيم العمل المسؤول وأخلاقياته وتقدير العمل المهني والحرف التقليدية وتوظيف اقتصاد المعرفة والاستثمار في المعلومات، فتؤسس في مواطنه المواطن الآليات والنماذج والأدوات والخبرات والتجارب التي تضمن مساعدته على تجاوز إشكالياته الاقتصادية وتعصمه من الوقوع في المخاطر الناتجة عن سوء الاستخدام للشبكات الاقتصادية الإلكترونية، فتعمل على تشخيص الحالة الاقتصادية وصناعة البدائل التي تضمن لها أطر المعالجة والتعامل مع حالات الانتكاسة والإخفاقات التي تتعرض لها بكل، كما أنها تؤسس في المواطن فقه إدارة سلوكه الاقتصادي والمحافظة على سقف الإنتاجية مرتفعا، وأهمية البحث في مسارات اقتصادية متجددة تعزز المبادرة والمسؤولية الاجتماعية. فإن التحديات الجيواقتصادية التي تفرض نفسها على واقعنا الاقتصادي تستدعي اليوم مزيدا من الوعي من المواطن في مراجعة أنماطه الاستهلاكية واتخاذ التدابير والإجراءات الاحترازية التي ستنعكس إيجابا على ترقية مسارات الادخار لديه، وتؤصل ثقافة الاستهلاك الرشيد، وتضبط الممارسات الاستهلاكية والاقتصادية، بشكل يدفعه إلى الحفاظ على مستويات أعلى من الأمان الاقتصادي لديه، وهو ما قد يقلل من حالات الاستنزاف للموارد في غير الضرورات والاستهلاك السلبي القائم على الاستدانة والقروض الشخصية.
وأخيرا فإن الحزم الاقتصادية التطويرية والتحسينية، والتدابير الوقائية والاستشرافية والإثرائية التي اتخذتها السلطنة، وما ارتبط بها من تعزيز الاستثمارات، والاهتمام بالقطاع اللوجستي والمناطق الاقتصادية والصناعية، وشبكة الطرق والنقل والمطارات والموانئ البرية وغيرها؛ محطات عمل وطنية انطلقت ضمن رؤية اقتصادية وطنية واعدة، فكان العمل في كل مراحل التطور التنموي والشراكات الاقتصادية والتوجهات الوطنية تمكين المواطن العماني من نقل مفاهيم الإتقان والتميز والتوازن والمصداقية في المبادئ وتعظيم القدرات الوطنية والقيمة التنافسية لهذه الموارد؛ مدخلات تؤسس للهوية وتعكس مساحات التناغم بين هذه المعطيات التي ينافس فيها المواطن ويتميز في تعامله مع، فيصنع من الواقع الاقتصادي بما يعايشه من تحولات؛ فرصة لتقديم الأفضل وإثبات حضور مبتكر له في الواقع الاقتصادي، ولعل الجميع يدرك أنه مع كل التحديات الاقتصادية التي واجهها العالم؛ ظلت السلطنة في مسافة أمان اقتصادية تتفاعل مع معطيات الواقع ونواتج الأزمة بكل أريحية، هذا الأمر ارتبط بوعي المواطن نفسه وإدراكه لمتطلبات تلك المرحلة، فكان بذلك سندا للحكومة في كل ما اتخذته من تدابير وإجراءات تقنينية لموارد الصرف، والتفكير في بدائل التنويع الاقتصادي وغيرها بالشكل الذي يحافظ على مساحات الأمان الاقتصادية الوطنية قائمة، وفي الوقت نفسه كان حضور الهوية العمانية في كل محطات العمل والإجراءات المتخذة، والتصاقها بالمبادئ والأخلاقيات والقيم التي شكلت شخصية الإنسان العماني؛ النهج الذي ساهم في الإبقاء على معادلة التوازن الاقتصادي قائمة والتعامل الواعي مع التحولات الاقتصادية المفاجئة الناجمة عن تدني القيمة السوقية لأسعار النفط وما تبعها من توجهات رفع الدعم عن الوقود والمشتقات النفطية الأخرى.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى