Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

السودان على صفيح ساخن

فوزي رمضان
صحفي مصري

من رحم الأوجاع الاقتصادية المتردية خرج بعض من السودانيين في مظاهرات خجولة بشعارات أكثر خجلا، توارت تحت مسمى (يسقط بس)، ويذوب الخجل بعدها رويدا رويدا، ويرتفع سقف المطالب للبحث عن نموذج مغاير عن ثورة المصريين، التي لم تمكن الثوار من الحكم، كانت الغاية إصلاحا اقتصاديا فقط، أما سقوط البشير كان المفاجأة، ليرتفع أيضا الطموح للمطالبة بتنحي المجلس العسكري، وتسليم السلطة لحكومة مدنية، يشغلها تحالف إعلان الحرية والتغيير.
قوبلت مطالب الثوار بالتسويف ومن ثم الرفض، لتتسارع الأحداث حتى باتت الساحة السودانية تشهد استقطابا سياسيا حادا، وبات ضيق الأفق مسيطرا على غالبية قوى الصراع، فلا اتفاق على شراكة في الميدان السياسي، ولا اعتراف بالآخر، ولا حل يلوح في الطريق؛ الجميع يرغب في الانفراد بالسلطة فقط.
ولضبابية المشهد السوداني، حذرت مجلة الإيكونومست الأميركية من مغبة السقوط في حرب أهلية، تدفع بالسودان إلى المصير الصومالي أو المنزلق الليبي، فقد بات ملحوظا ككل الثورات أن تتحول الفترة الانتقالية إلى حالة انتقامية وتصفية حسابات.. للسودانيين عذرهم فقد عاشوا ما يكفي من القمع المتواصل في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، من تدهور اقتصادي ونظام فاسد، لم يقدم أي أفق للمواطنين بعد تقسيم السودان، وفقد شماله 75% من حصته النفطية.
يشهد السودان للمرة الأولى في تاريخه محاكمة رئيس سابق أحيل بقرار من النائب العام السوداني إلى المحاكمة بتهم تتعلق بالفساد، وحيازة النقد الأجنبي وغسل الأموال، كما تم فتح 41 دعوى جنائية ضد رموز النظام السابق، ولدى الثوار الكثير من شواهد الفساد، من زمرة وحاشية الحكم السابق، جعلتهم لا يثقون في المجلس العسكري الذي يدير حكم السودان حاليا، رغم مساعدته لهم في نجاح ثورتهم وخلع البشير، لكن الصورة النمطية السابقة والقمع جعلتهم على حذر يتحسسون للحكم العسكري.
قراءة المشهد السوداني الحالي تؤكد أن القوى المدنية بقيادة تحالف إعلان الحرية والتغيير المؤلف من تجمع المهنيين السودانيين، إضافة إلى قوى نداء السودان الذي يضم تنظيمات مدنية معارضة للحكم العسكري، في صراع ضد ثلاثة من مراكز القوى داخل المؤسسة الأمنية، التي تظهر بجلاء أن مفاتيح القرار السياسي لا يملكه أحد، أولها المؤسسة العسكرية التي ساعدت في خلع البشير، والتي يمثلها الآن الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري، والذي قام مسبقا بتنظيم إرسال قوات سودانية إلى اليمن لمقاتلة الحوثيين.
البرهان بمجرد تسلمه زمام حكم الفترة الانتقالية زار القاهرة واجتمع مع الرئيس المصري، واتفقا على حماية الحدود من الإرهاب، وتلقى دعما سخيا من السعودية والإمارات قد يصل إلى 3 مليارات دولار أنقذت السودان من شبح المجاعة، وبالتبعية فإن القرار السوداني يخرج الآن بالتشاور مع الدول الثلاث. أما ثاني القوى فهو أجهزة المخابرات والقوات الخاصة التابعة للشرطة، وتشير إليها أصابع الاتهام بفض اعتصام ميدان الحرية، وقتل أكثر من مئة شخص بمشاركة قوات الدعم السريع، وهي مركز القوى الثالث والأكثر خطورة.
قوات الدعم السريع يعتبرها البعض وريثة قوات ميليشيا الجنجويد، لكن الدولة السودانية تؤكد أنها قوات نظامية تتبع جهاز الأمن إداريا وفنيا، ويترأسها الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير(حميدتي) النائب الحالي للمجلس العسكري الانتقالي، وسبق أن نفذت تلك القوات مخططات النظام السابق ضد المتمردين في جنوب كردفان وفي إقليم دارفور، وقتها تم توجيه تهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الإنسانية من طرف المحكمة الجنائية الدولية إلى البشير.
حميدتي القائد الأقوى والأكثر شهرة في السودان، المسيطر على قوات عدادها يفوق 50 ألف رجل، تدين له بالطاعة والولاء، وتتنبأ له معظم الدوائر السياسة بأن يصبح الرئيس القادم للسودان في الانتخابات المقبلة، بعد أفول نجم قوى التيار الإسلامي، وتعرضهم لوضع حرج من عدم القبول لدى الكثير من المتظاهرين رغم تسجيلهم الحضور والانصراف في الاحتجاجات، ودعمهم من جهات كثر، لكنهم في انتظار الفرصة للمشاركة في الحكم.
أهل السودان في ظل الزخم الجماهيري، والحراك الثوري والشعارات البراقة، والحكي المعسول من قبل النشطاء، تناسوا أن هناك أقاليم على أرضهم تنتظر ساعة الصفر وتصفية الحسابات، وقد تطالب المناطق المهمشة بحصتها في السلطة المقبلة، ونصيبها من كعكعة الحكم، أو انفصالها عن كتلة الدولة، تناسوا الصراع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأبيض، وما يصيبهم من متاعب معيشية وأوضاع متردية.. تناسوا اقتصاد دولة تمتلك أكبر مقومات زراعية في العالم العربي، تمتلك 175 مليون فدان أرض زراعية بكر، و400 مليار متر مكعب من الأمطار، وملايين من قطعان الماشية، في ذات الوقت يعوزهم رغيف الخبز وإدارة المال.
جميع الأطراف تتحدث عن تقسيم السلطة والمحاصصة، ولم يتحدث أحدهم كيف ينهض السودان من كبوته؟ رغم أنه البلد الواعد بالاستثمار، الغني بثرواته الطبيعية.. والعجب كل العجب، كيف لبلد يمتلك كل تلك النعم ويعيش الفقر؟! وكل هذا الخير الوفير وتشكو الفاقة؟! لكن إذا فقد العقل، وضاعت الحكمة واستحكمت شهوة السلطة، وضل طريق الصواب، سينجرف السودان نحو حرب أهلية ـ لا سمح الله ـ تحرق الأخضر قبل اليابس، بعدها لا تنفع مدنية ولا عسكرية.. اللهم احفظ السودان وأهله الطيبين من كل شر.


تاريخ النشر: 19 يونيو,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/336509

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014