الأربعاء 20 نوفمبر 2019 م - ٢٣ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تُرى ألم نتبين بعد ما حل بنا..؟

تُرى ألم نتبين بعد ما حل بنا..؟

علي عقلة عرسان

اليوم نفكر برفع قضية أمام محكمة العدل في لاهاي، ضد يهودي عنصري صهيوني متطرف، من فصيلة باروخ جولد شتاين، وكاهانا حي والحاخام دوف ليئور.. بعد سنوات من عدائه المكشوف ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين، ومساهمته في تمويل مستوطنات منها “بيت إيل”، ودعوته للتوسع في الاستيطان حتى الضفاف الغربية لنهر الأردن، ومشاركته في تهويد القدس والحض ذلك في أماكن أخرى من فلسطين، وتحريضه على قتل العرب وحرمانهم من حقوقهم، واتهامهم بنقص في الأهلية والكينونة.. هو “ديفيد ملخ فريدمان”، محامي المفلسين والمفلس كليا، وبكل المقاييس، من القيم “الروحية والأخلاقية والإنسانية”، الذي عمل مستشارا لصنوه في الإفلاس دونالد ترامب، في حملته الانتخابية، فرشِّح سفيرا له في كيان الإرهاب “إسرائيل”، وأيدت ترشيحه أقلية “12 مقابل 9 في لجنة مجلس النواب”، و”52 مقابل 46 في مجلس الشيوخ.. وفي 29 مارس 2017 أصبح سفيرا في تل أبيب.
لم يخفِ فريدمان في يوم من الأيام عنصريته وعداءه للفلسطينيين وتطرفه الصهيوني ورفضه الجذري لحل الدولتين.. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2016 قال في تجمع انتخابي “إن إدارة ترمب لن تضغط أبدا على إسرائيل من أجل حل الدولتين، أو أي حل يتعارض مع رغبات الشعب الإسرائيلي”.. وكان لسان حال ترامب وأحد أهم المؤثرين عليه في كل ما يتعلق بنقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية إلى القدس، واعتبار القدس عاصمة “لإسرائيل”، وفي ما يتعلق بالاعتراف بضم الجولان السوري المحتل لسلطتها، وفي الدعوة لاقتطاع أجزاء من الضفة الغربية وضمها لكيان الإرهاب “إسرائيل”. ففي موضوع الجولان قال فريدمان لجريدة “إسرائيل اليوم”، في الأسبوع الأول من سبتمبر ـ أيلول ٢٠١٨ إن “إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كفيلة بأن تنظر في المستقبل باعتراف أميركي بهضبة الجولان كأرض إسرائيلية”.. وفي ٢٦ آذار/مارس ٢٠١٩ قال أمام مؤتمر إيباك اليهودي: “السلام في الشرق الأوسط يأتي من خلال القوة، وليس فقط من خلال الكلمات على الورق”.. وفي موضوع الضفة الغربية قال في مقابلة مع جريدة نيويورك تايمز بتاريخ ٨/٦/٢٠١٩ “في ظل ظروف معيّنة، أعتقد أن إسرائيل تملك الحق في المحافظة على جزء، لكن على الأغلب ليس كل، من الضفة الغربية”، وقال في المقابلة ذاتها إن “آخر ما يحتاجه العالم هو دولة فلسطينية فاشلة بين إسرائيل والأردن”..؟! هذا هو فريدمان ثالث يهوديين عنصريين هما كوشنر وجرينبلات يصنعان “صفقة القرن” التي تطبق عمليا قبل أن تعلن، ويجولون ويصولون في أقطار عربية لتدعم خطتهم وتمولها أيضا؟!
نحن نستيقظ بعد فوات الأوان، هذا إذا استيقظنا.. ونقول الكثير لكن لا ننفذ ما نقول، فكم قلنا عن وقف التنسيق الأمني بين السلطة و”إسرائيل” ولم نفعل، وكم هددنا برفع دعاوى على مجرمي الحرب الصهاينة أمام محكمة لاهاي، رغم فداحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها في غزة والضفة والقدس والخليل، مع وجود الأدلة الدامغة على ذلك.. لم نفعل هذا وقد لا نفعل سواه، نشكو ونراعي خاطر الأميركيين الذين لم يتركوا جريمة إلا ارتكبوها بحقنا، ونكتفي بالشكوى والأنين..
نعم نحن نشكو مُرَّ الشكوى من مواقف دولية مائعة أو متواطئة أو معادية لنا ولقضايانا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين، وعلى رأس تلك الدول والمواقف ما تتخذه الولايات المتحدة الأميركية وما يصدر عنها.. ونشكو من دور مجلس الأمن الدولي ودول كبرى في التعامل مع أزماتنا التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى كوارث محلية شاملة، وإلى صراعات إقليمية تهدد بحروب طاحنة، ونعلن أن تلك الدول جعلتنا مسارح لصراعاتها، ومواقع للتدخل والنفوذ والتمركز في أراضينا، وانتهاك سيادتنا ومصادرة إرادتنا.. وأنها كانت وما زالت تسهم بتدميرنا، وتستهين بدمنا ومصائبنا وتشرّدنا ومعاناتنا.. نشكو.. ونشكو.. لكن لا نتوقف بوعي وصراحة ومسؤولية أمام سؤال: من الذي أدخلنا في هذا الأتون؟ ومتى دخلناه أو أدخلنا فيه؟ وكيف جعلنا أنفسنا وجعلونا وقودا له ومَن يُحرَقون فيه؟! .. نشكو.. ونشكو، ونستمر في المعاناة، وفي إفساح المجال واسعا أمام زيادة تدخل الآخرين بشؤوننا، بل ندعوهم إلى مزيد من التدخل والفتك بنا، نفعل ذلك نكاية بعضنا ببعضنا، فنصبح الجلادين والضحايا على نحو عجيب غريب مريب.. ولا نراجع أنفسنا من أجل إطفاء النار، واستعادة الذات والوعي والإرادة والقرار؟ فهل هناك أمة تقف غاية في السلبية من ذاتها وقضاياها، مثلما تقف أمتنا العربية من تدمير ذاتها ودعوة أعدائها لتدميرها؟!.. ترى متى ارتكبنا ذلك الخطأ القاتل الذي قادنا إلى ما نحن فيه اليوم من حالات ومآلات؟! هل كان ذلك في حرب يونيو ـ حزيران ١٩٦٧ التي خسرناها، أم في حرب تشرين الأول/أكتوبر ١٩٧٣ التي دخلها قطران عربيان باستراتيجيتين إحداهما معلنة من الطرفين “حرب تحرير”، والأخرى مُضْمَرة من طرف واحد “حرب تحريك”، وكان فيها خذلان وغدر، وما يمكن أن يقال أكثر من ذلك؟!..
متى ارتكبنا الخطأ القاتل يا تُرى.. أيوم زار السادات القدس وبدأ مسلسل “كامب ديفيد”؟ أم يوم حضرنا مؤتمر مدريد وفودا، وفاوضنا العدو الإسرائيلي انفراديا برعاية أميركية، وتسلل بعضنا خفية من خلف بعض إلى أوسلو، ويوم أعلن اتفاق وادي عَرَبَة، وارتفع في نادينا صوتان مفرقان: “أنا أولا” و”كلٌّ يقلع شوكه بيديه”، فتمزق الصف، وتآكلت الأقطار، ومات الانتماء وتهنا في فيافي الضياع، وفُتحت علينا ولنا أبواب المهالك.. إذ وضعنا كل أوراق قضيتنا المركزية “قضية فلسطين”، وكل ما تفرع عنها ونشأ على طريق تحريرها من ملفات وقضايا، وضعنا كل ذلك بيد الولايات المتحدة الأميركية، أي بيد عدونا “إسرائيل” والحركة الصهيونية والمتصهينين عقائديا، وسمحنا للدولة لتحالف الأعداء بأن ينفرد بملفتنا وملفات المنطقة، وركضنا أمامه نسهم في نقض القرار الأممي رقم ٣٣٧٩ الذي أعلن الصهيونية عنصرية ليرتاح، ووضعنا الاهتمام بالقرارات الدولية المرجعية المتعلقة بقضية فلسطين وراء ظهورنا، ولم نعد نهتم بها ولا بالأبعاد الموضوعية لتلك القرارات إلَّا لماما، وهي مرجعيتنا الدولية الرئيسة، واستسلمنا للأميركي ـ الصهيوني الذي أخذ يقضمها ويقضمنا، يتلفها ويتلفنا، ينتهكها وينتهكنا، ويهملها ويستهين بنا.. ومشينا في طريق التسليم له بالأمر إلى أن أخرج المؤسسات الدولية من القضية بمعرفتنا، واكتفى برباعية عقيمة، تتفرج عليه وعلى حليفه الصهيوني المحتل، وهو يهود ويتوسع ويستوطن ويستبيح ويقتل و.. إلخ، من دون أن نعترض جديا وجذريا على ما يفعله.. وحين نضج بالشكوى والتذمر ونصرخ ونذرف الدموع، وندعوها للتحرك والتدخل بوصفها ممثلة للعالم.. تبتسم وتصمت..؟!
تُرى كيف ارتكبنا تلك الخطيئات الكبرى، ودخلنا دوائر الخطر الأعظم، خطر حرب الذات على الذات، والحرب على ما ألصق بنا وبديننا من تهم الإرهاب، فأشهرنا أسلحتنا على عروبتنا وإسلامنا، وخضنا في دمنا، وفقدنا المبدأ والرحمة والرؤية والتزاماتنا القومية والدينية، وسمحنا للعدو وللفوضى وللجنون بأن يسحق أقطارنا قطرا بعد آخر، ونُرمى في الضائقات والأزمات والحصار والعقوبات، ثم بالتدمير والسحق، ثم بالحروب البينية التي انتهت إلى الفتنة المذهبية وما يصاحبها وينتج عنها من كوارث وتخلف، وما يفعله بنا مَن يصب الزيت على نار تحرقنا؟!
تُرى ألَم نتبيَّن بعدُ ما حلَّ بنا، وكيف حدث ذلك، وإلى أين نتدحرج، وإلى أين المصير؟! أم أننا نحتاج إلى مزيد من التردّي في المهالك، لنكتشف أن كيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل” هو العدو الأول والسبب الرئيس في مآسينا، وأن الولايات المتحدة الأميركية، حليف عدونا، وأن استعادة وحدة موقفنا، والتزامنا بانتمائنا لأمتنا وعقيدتنا، هو طريق الإنقاذ، ومفتاح باب الخروج من الجحيم الذي يلتهمنا؟!

إلى الأعلى