الإثنين 14 أكتوبر 2019 م - ١٥ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العيد وأسباب فرحة المسلم (2)

العيد وأسباب فرحة المسلم (2)

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
.. ومن أسباب الفرحة بالعيد كذلك هذا التكافل الذي راح يأخذ صورًا عديدة، وأشكالا فريدة، وأنماطا جديدة، من حقيبة رمضان التي تطوَّرت كثيرا، وأمستْ جاهزة بكلِّ ما يُطلَب للبيوت في تلك المناسبات، ومجهَّزة بكل الأطعمة، والأشربة، وما يحتاج إليه الناس، وصارت تؤخذ بكوبون ورقي صغير، يقدِّمه الفقير لمحلات معينة، دون أن يدفع شيئا من المال، ففيها قيمة شرائية محددة، ويقابلها سلعٌ، وأطعمةٌ محددة، ومنها موائدُ رمضان التي انتشرت في المساجد، والمطاعم، وعلى الطرق، بل منها ما رأيته عند إشارات المرور في كثير من المناطق، رأيت مَنْ يرتدون زيًّا جميلا موحَّدا ذا ألوان زاهية، صفراء أو خضراء عندما تتوقف الإشارة يمضون مسرعين إلى السيارات، يسلِّمون الراكبين حقائبَ أطعمة، فيها من التمور، والألبان، ونحوها، وينتشرون بسرعة البرق يوزِّعون على كلِّ السيارات قبل أن تفتح لهم الإشاراتُ، وهم منظمون جداً، ومدربون، ومبتسمون وهم يوزعون، ويدعون للراكبين بالقبول والتوفيق، عمل جميل، وشيءٌ طيب: أن أرى كل تلك الأساليب من التكافل والتراحم طيلة الشهر الفضيل، وناهيك عمَّا كذلك يحدث في الحرمين الشريفين: في مكة والمدينة المنورة قبيل الإفطار، حيث تُفرَش المفارش البلاستيكية الجميلة بألوانها الزاهية، وتوضع التمور، والأطعمة في أرجاء الحرمين للزوار، والمعتمرين، والمصلين، والداخلين ومعها القهوة الجميلة، والجميع يعيش أجواء التكافل، تعلو البسمة وجهَ الغني قبل الفقير، وتلهج الألسنة بالأدعية من الجميع للجميع، وتشعر بجوٍّ ملائكيٍّ، طاهر، تشعر يقينًا بتأثير الإسلام في هاتيك القلوب، وعمله في هذه الأفئدة، وتتأكد من أن رمضانَ قد ترك أثره فيهم، وعَمَّقَ أخلاقه في دواخلهم، وغلَّفَ ذواتِهم بحبِّ التعاون، والتكافل، والتراحم، والتآخي ، ومَتَّنَ لشعور النبل، والكرم، ورسَّخ لمعاني الأخوة، والمودة، وربطها برباط الإيمان القوي، المتين، وعُرَاهُ المترابطة المتآلفة المتناغمة المتراحمة، فبَدَتْ قويةً، متماسكةً، متآخية.
وكذلك من أسباب الفرح رؤية اليتيم والفقير والمسكين والمحتاج وهو تعلوه البسمةُ التي غابتْ عن وجهه طويلا، وهو يجلس على أجمل الموائد ليطعم أفضل الأطعمة، ويُعامَل أكرمَ التعامل، ويأخذ ما يريد لنفسه، ويحمل من الكساء ما يُفرِح قلبه، ويأخذ من مال الغني ما يُغنيه عن السؤال في هذا اليوم كما قال المصطفى (صلى الله عليه وسلم):(اغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، حيث يمرُّ الأغنياء على بيوت الفقراء بكلِّ تواضع، ويعطونهم من المال ما يكفيهم بكل ابتسام وفرحة، ويطيِّبون خواطرهم، ويَجْبُرُون بخواطرهم، ويعطونهم ما يكفيهم، ويدعو الفقراء في الوقت نفسه من قلوبهم لإخوانهم الأغنياء بالبركة، والزيادة، والنماء، ويسألون اله لهم القبول، والمثوبة، ويتعايش الجميع في فرح وسرور، وأخوة وحبور، ويجعل الغني فيما بعدُ لنفسه جدولا يَعُولُ فيه عددًا من فقراء حَيِّهِ يتواصل معهم طيلة العام بعد أن عرفهم في تلك المناسبة الكريمة، وكانوا من قبلُ لا يُعرَفون، ولحيائهم الناس لهم يتناسون، وعنهم مشغولون، فيأتي رمضانُ، ويقربهم للناس، ويرقق قلوب الأثرياء، ويقذف في أفئدتهم حب الخير، وبذل المال، وإيصاله إلى مستحقيه، وإن كانوا يتعففون، ولا لأحد أيديهم يمدُّون:(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً)، فيكون رمضانُ سبباً في ذلك، وتعقُبه الفرحةُ بإتمام تواصل الغني مع الفقير، وتكون فرصة للتراحم، ومن خلالها يرضى الله عن الجميع، وينزل رحمته بالمجتمع.
ومن أسباب الفرحة لا ننسى عودة كثير من الشباب إلى رحاب الإيمان في رمضان، وسلوك سبيل الهداية، والانضواء في طريق الله ورسوله، بعدما سمعوه من دروس، ونصائحَ وَعَّتْهُمْ، وبصَّرتْهم بخطورة البعد عن الله، ووجوب المسارعة إليه، فيدخل العيد، وهم مهتدون، ونراهم في للمسجد معمِّرين داخلين، وبه أمسوا متعلِّقين، وللقرآن من التالين الحافظين، وعلى الصيام بعد رمضان من المواظبين، ولِذِكْرِ الله صاروا مستديمين، فتراهم في العيد، وعليهم سيماء الصلاح والقرب، وعلتْ وجوهَهم الابتسامةُ الجميلةُ بحسن العودة إلى الله، وجميل الاتصال به، وجلال القرب منه، ثم يصيرون أسوياء أتقياء يظلون على الهداية، ويستمرون على الاستقامة، فيكون العيد عيدين، وتكون الفرحة لنا جميعًا فرحتين بعودة مَنْ كان منهم بعيدًا، وتمسك واستدامة واستزادة من كان منهم قريبا، وتلك فرحة كبرى.
وأخيرًا من الاسباب التي تؤدي الى الفرحة تلك الثياب البيض التي تشبه في جمالها وطهرها الملائكةَ فترى على مرمى البصر البشر، وقد لبسوا الأبيض الجميل من الثياب، ذلك الثوب الذي يُظهر جمال الإسلام، وبياض تشريعاته، وجلال تكاليفه، فكلما رميتَ بالبصر وجدْتَ بشراً كالقمر، يحكون سيرة دينهم، وجماله، وبياض الداخل والخارج منه، والظاهر والباطن فيه، والشكل والمضمون من خلاله، والمظهر والمخبر في مبادئه، يتلاقون جميعًا في المساجد، وأماكن الخلاء لتأدية صلاة العيد، والتلاقي، والتهاني، والتواصل في أيام العيد، فيزيد المسلم الصائم فرحًا بلقاء أخيه، ويسعد بزيارته، وتتزاور البيوتُ في حُللها الجميلة، ويسعد المسلمون بإتمام نعمة الصيام، والقيام، والتهجد، ونعمة إخراج زكاة الفطر طيبةً بها نفوسهم، هانئةً بها قلوبهم، كريمةً بها أيديهم ونفوسهم.

* كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية.
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى