الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / السودان الجديدة

السودان الجديدة

أيمن حسين

تقف السودان على أعتاب مرحلة تاريخية وفاصلة لبناء دولة حديثة تحتاج إلى صياغة عقد اجتماعي جديد بين كل الأطراف السودانية، خصوصا المجلس العسكري بصفته الحاكم الفعلي للسودان في الوقت الراهن، وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير بصفته الممثل الشرعي للثورة السودانية ومعه تجمع المهنيين السودانيين، فبعد انهيار جسور الثقة بين السلطة والمعارضة بعد عزل الجيش للرئيس السوداني السابق عمر البشير، بات لزامًا إعادة بناء الثقة من جديد بين الأطراف المتناحرة.
بيان الجيش الذي عزل فيه البشير لقي ردود أفعال متباينة داخل القوى الثورية والمعارضة، حتى أن الترحيب به كان ترحيبًا حذرًا، وفي الوقت الذي رفض فيه الشارع السوداني تسلم الجيش لمهام الحكم، وطالبت المعارضة بتسليم السلطة لمدنيين، وشارك الجميع في مظاهرات، ونصبوا الاعتصامات في الشوارع والميادين، ومنها اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة، والذي قامت قوات الأمن بفضه قبل يوم واحد من عيد الفطر، وراح ضحيته مئة شخص من المعتصمين الذين لقوا حتفهم قتلًا وطعنًا، وألقيت جثث البعض منهم في النيل، لتتفكك خيوط الثقة الرفيعة التي كانت تربط القليل من الثورة بالمجلس العسكري.
تصاعدت الأحداث وتزايدت المطالبات، ودخل الشعب السوداني في عصيان مدني مطلع الأسبوع الجاري استجابة لدعوة تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”، الذي يقود الاحتجاجات، قبل أن يتراجع التحالف بسبب الوساطة الإثيوبية، ويعلن مساء الثلاثاء الماضي تعليق العصيان واستئناف جلسات الحوار مع المجلس العسكري، وأصدر التحالف بيانًا قال فيه إن العصيان المدني “نجح بنسبة عالية”، وإنه “رسالة واضحة للمجلس العسكري حول مكامن قوة وجبروت الشعب السوداني”، وإن التعليق المؤقت “لإعادة ترتيب هذه الأوضاع بحيث تستمر المقاومة بشكل أقوى وأكبر” ـ بحسب البي بي سي البريطانية.
مرحلة إعادة بناء الثقة بدأت عندما قبلت الأطراف بوجود وساطة دولية وإقليمية، فبالتزامن مع صدور بيان تعليق العصيان المدني، قال المبعوث الإثيوبي، محمود درير، في تصريحات للصحفيين نقلتها البي بي سي، إن قادة الاحتجاجات وافقوا على استئناف المحادثات مع المجلس العسكري الانتقالي، وإن القيادة المسلحة وافقت على إطلاق سراح سجناء سياسيين كإجراء لبناء الثقة، في المقابل هناك بارقة أمل لتشكيل المجلس الانتقالي، حيث اقترح أبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي، خلال زيارته للتوسط بين الطرفين الأسبوع الماضي، تأسيس مجلس انتقالي مكون من 15 عضوًا، منهم 8 مدنيين و7 من ضباط الجيش، لقيادة السودان خلال المرحلة الانتقالية، ونقلت وكالة رويترز تصريحات لقادة قوى إعلان الحرية والتغيير مفادها اعتزام ترشيح 8 مدنيين منهم 3 نساء وسيكون رئيس الحكومة تابعا للتيار المدني، وتم طرح اسم عبد الله حمدوك، الأمين التنفيذي السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، وهو شخصية تحظى بقبول دولي وإقليمي، وله ثقل سياسي ودبلوماسي يمكنه من قيادة المرحلة باقتدار.
إن انتقال عملية الصراع في السودان من المعادلة السياسية الصفرية إلى المواءمة المرنة لاستيعاب كافة الأطراف، وتوجيه المرحلة الانتقالية إلى طريق الديمقراطية، ليس بالأمر المحال؛ بل إنه قابل للتنفيذ والتطبيق حال تم إعادة بناء وترميم الثقة بين الثورة والعسكر، وقتها ستكون السودان الجديدة في مرحلة المخاض، وكل ما تمر به الفترة الحالية هو مجرد آلام سوف ينبثق عنها ميلاد دولة جديدة ذات نظام سياسي جديد، ودستور حديث، وممارسات يغلب عليها الحرية، ومناخ يتسم بالديمقراطية.
وبلا شك فإن التاريخ السياسي للتجارب السابقة يفرض نفسه على كافة الأطراف السودانية، ويذكرهم بأهمية إعلاء مصلحة السودان فوق مصلحة الأفراد والجماعات والأحزاب والتكتلات، وأن الطريق الآمن للسودان الجديدة هو إسناد الحكم إلى سلطة مدنية، وتنظيم السودان من الداخل عبر دستور جديد يستوعب كافة أطياف الشعب وروافده، وإجراء عمليات اقتراع نزيهة لتشكيل السلطة التشريعية، واختيار رأس هرم السلطة التنفيذية دون إقصاء أو تهميش، مع تأمين كافة متطلبات الطبقات الدنيا من الشعب، وتنحية برامج الاستقطاب السياسي والاجتماعي، ونبذ دعوات الاختلاف والتفرقة المزمع ظهورها لتنفيذ سياسة “فرق تسد”، وقتها ستكون السودان الجديدة استدارت نحو قبلة طريق التنمية السريع، وفي غضون سنوات ستكون قوة كبيرة إقليميا ودوليا.

إلى الأعلى