الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / سيناريوهات الأزمة في الخليج

سيناريوهات الأزمة في الخليج

خميس بن عبيد القطيطي

التحركات السياسية والعسكرية التي جرت مؤخرا في المنطقة وما زالت مستمرة حتى اليوم على خلفية الأزمة الناشبة بين طهران وواشنطن يبدو أنها قد وصلت إلى أبواب مغلقة، ولم يعد أمام الولايات المتحدة أي أفق واضح لانفراجها بعد رفض القيادة الإيرانية رسائل الولايات المتحدة المتعددة، وآخرها تلك التي حملها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، كل تلك الرسائل اعتمدت فيها الولايات المتحدة فرض الشروط والإملاءات، رغم أن الولايات المتحدة اليوم في وضع لا يمكنها من فرض شروطها من خلال المعطيات على أرض الواقع، كما أن هذا الأسلوب المتعالي لم يجد نفعا مع إيران منذ عقود، وبالتالي جاء الرد الإيراني رافضا تلك الرسائل جملة وتفصيلا، فهل سيعقب ذلك تراجع أميركي لتقديم عروض أخرى أكثر مرونة وأكثر قبولا لدى طهران؟
رسائل واشنطن السابقة إلى طهران تمثلت في ثلاثة مسارات؛ أولها البرنامج النووي الإيراني والمطالبة بتعديل الاتفاقية النووية، لمنع إيران من تحقيق أي إمكانية لتطوير برنامجها النووي بما يتيح لها استخدامه كسلاح نووي، وتوقيع بروتوكول الملحق الإضافي المتعلق بفرق التفتيش الدولية المفاجئة، والرسالة الأخرى كانت تتعلق بالحد من قدرات إيران الصاروخية ووضع تحديدات لهذا البرنامج الصاروخي الفضائي مع التفتيش والمراقبة الدورية لبرامج إيران النووية والصاروخية، وهذه مسائل تعتبرها طهران مسائل سيادية وحقوقا مشروعة؛ كون تجاوبها مع المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد خوض مفاوضات طويلة وشاقة وصل إلى توقيع اتفاقية الإطار في مسقط تبعها توقيع الاتفاقية الرئيسية مع مجموعة 5+1، والتي انسحبت منها الولايات المتحدة الأميركية لاحقا بشكل أحادي ما يعتبر إخلالا بالاتفاقية وإخلالا بالتزامات أميركا مع شركائها الأوروبيين أيضا. أما الرسالة الثالثة التي بعثتها الولايات المتحدة إلى إيران فكانت مرتبطة بالحد من علاقات إيران الإقليمية ودعمها للمقاومة في لبنان والمقاومة الفلسطينية، إضافة إلى وجودها في العراق، وهذه الرسالة ـ بلا شك ـ غير مقبولة لدى إيران لارتباطها بالمصالح الإيرانية ونفوذها كقوة إقليمية تدرك المخاطر المحيطة بها، وبالتالي فإن علاقاتها مع قوى المقاومة تأتي على قاعدة البحث عن أوراق رابحة في معادلة القوة الإقليمية وتعزيز سياسة الردع، وهذا الأمر بالذات لا يمكن أن تساوم إيران عليه بعد أن اقتربت من مشارف حدود “إسرائيل”.
بلا شك أن الولايات المتحدة تدرك كل تلك المعطيات، وتدرك أن الكثير من أوراق اللعبة بيد إيران، وليس أمام الولايات المتحدة إلا ثلاثة سيناريوهات فقط؛ إما الإقدام على مغامرة الحرب، وهي بلا شك تعلم عواقبها وتبعاتها كون مصالحها وقطعها الحربية في مرمى الصواريخ الإيرانية، ولذلك هذا السيناريو ضعيف جدا. أما السيناريو الثاني فهو بقاء القوات والقطع الأميركية في الخليج لفترات طويلة، وهذا لن يكلف خزينتها شيئا يذكر باعتبار وجودها لدرء خطر إيران ودفاعا عن دول المنطقة، وبالتالي على دول الخليج تحمل تكاليف وجود تلك القوات، كما أن وجودها سيسهم في مراقبة إيران ومحاولة تحييد دعمها لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، وهذا المسار نتائجه محدودة وغير مجدية؛ لأن برامج إيران النووية والصاروخية لا يمكن إيقافها تحت أي ظرف. أما تحديد دعم إيران لقوى المقاومة فهذا الأمر لو تمكنت الولايات المتحدة من تحقيقه سابقا لما تأخرت، علما أن قطع الصواريخ والتكنولوجيا والمواد متوافرة لدى أذرع المقاومة وتقوم بصناعتها محليا وحرب 2006م على لبنان والصواريخ التي أطلقت من قطاع غزه في الحروب الأخيرة أثبتت تلك الحقيقة المؤلمة لدى كيان الاحتلال. ويبقى السيناريو الثالث والأخير أمام الولايات المتحدة وهو التراجع عن لغة التهديد وإشراك الوسطاء مجددا للبحث عن مخرج آمن يحفظ ماء الوجه، ومحاولة وضع ترتيبات ثنائية معينة تخرج الأزمة من عنق الزجاجة ولا تؤثر على إيران، بل تقدم لها ضمانات برفع العقوبات المفروضة عليها وفق خطة زمنية محددة، وهذا السيناريو الأخير كفيل بإنهاء الأزمة وحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف .
كل السيناريوهات المذكورة أعلاه واردة بنسب متفاوتة، ويبقى السيناريو الأخطر ـ لا سمح الله ـ وهو حدوث خطأ غير مقصود في ظل وجود هذه القطع الحربية الأميركية والإيرانية وجها لوجه، ما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية تقلب الأوضاع رأسا على عقب، وخصوصا بعد الاتهامات المتبادلة بين طهران وواشنطن فيما يتعلق بحادثة استهداف ناقلات النفط في المياه الدولية ببحر عمان.. وختاما نسأل الله أن يجنب المنطقة ويلات الحروب وأبعاد شبح المواجهات العسكرية؛ لأن نتائجها ستقع على كاهل دول المنطقة وخطرها لا يمكن تحديده.

إلى الأعلى