الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / دعوة إلى إعادة الاعتبار للتربية

دعوة إلى إعادة الاعتبار للتربية

سعود بن علي الحارثي

إن الأزمة الأخلاقية التي نعيشها هي التي تقودنا للحديث عن التربية من حيث أهميتها ودورها في حماية المجتمع وفي قوته وتماسكه وربط أفراده بالجذور والقيم؛ لأنها تؤسس لحالة جيدة من الوعي وتعزز دور العلم والمعرفة وتحفز الناشئة على البحث وعلى طرح الأسئلة وعلى الفهم, وما نأسى له ونحزن من أجله أشد الحزن أن ترى ذلك النظام التربوي القيم يتراجع ويتقلص والتربية تفقد دورها.

التربية منظومة إنسانية تختلف مفاهيمها وأدواتها ووسائلها وبرامجها من مجتمع إلى آخر وفقا للمعتقد الديني وما يحتويه من تعليمات ومضامين وارتباطا بالخصوصية الثقافية للمجمتع وموروثاته وتقاليده، وما يمر به من تطورات وظروف ومتغيرات. فهي تعني ((غرس أنماط محددة من القيم والسلوك في الإنسان)), وتهدف التربية على وجه العموم إلى تقويم سلوك الناشئة ومراقبته وضبطه وصقل شخصياتهم وربطهم بثقافتهم العامة وبقيمهم الدينية وأخلاق مجتمعهم وتعويدهم على الصفات الحميدة والأخلاق الطيبة وعلى الصبر في الشدائد والقدرة على التحمل ومواجهة المخاطر وتهيئتهم للقيام بواجباتهم الدينية والدنيوية وحثهم على التعلم وتنمية مواهبهم وصولا إلى بناء العقل وتهيئته وتمكينه من ممارسة التفكير الجاد والناقد، وبذلك تتشكل ملامح الشخصية المرتبطة إرتباطا وثيقا بالثقافة والبيئة والمتسمة بالقوة والرصانة بمعنى ((بناء شخصيات ناقدة تتمتع بمستوى مقبول من التفكير الناقد والرغبة في البحث عن المعلومة الحقيقية)) وتمحيص ما تستقبله من معلومات وأفكار ودعوات وفرز الصالح منها والطالح, ولكل مرحلة عمرية وسيلتها الخاصة وطريقتها في التربية, وأفضل طرق التربية هي تلك التي لا تعتمد أسلوب الإملاء وتوجيه الأوامر والإجبار على التنفيذ, أي التي تلتزم بثقافة الحوار والتواصل والإقناع, وتشكل قصص الأطفال جزءا مهما في منظومة التربية تلك التي يحكيها الآباء والمعلمون وكبار السن لأطفالهم والتي تقدم صورا عن الشخصيات الكبيرة التي أثرت بشجاعتها وعلمها ونبلها ودرجة إيمانها في المجتمع, والتي تدعو كذلك إلى التضحية وإلى المحبة والسلام وتقديم العون ومساعدة الآخرين, والتربية مقدمة على التعليم, ذاك لأن الوعي بأهمية العلم والمعرفة وممارسة التفكير والسلوك المتزن والقدرة على تمييز الصواب من الخطأ وحسن المعاملة والتمسك بالقيم والارتباط بثوابت الدين وتعليماته تترسخ في نفوس الناشئة وتتشكل ملامحها في عقولهم وتتبلور شخصياتهم والتعود على ممارستها لا يتم إلا من خلال نظام تربوي دقيق وصارم وعلى هذه القاعدة السليمة يبدأ الأبناء في تلقي العلم وهم محبون له مندفعون نحو المعلم ونحو الكتاب وكل ما يتعلق باكتساب العلم والوصول إلى المعرفة .. وفي كتاب الله من مضامين التربية ووسائلها والإشارة إلى أهميتها ما يغني الإنسان في تربية أبنائه لو وجدت فينا من يتدبرها ويتفكر في معانيها ويحسن فهمها ويجيد العمل بها لما تحمله من أوامر ونواهٍ فيها الخير والسعادة للإنسان, والرسول عليه السلام يقول ((لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع)). ويقول أرسطو ((جذور التربية مرة ولكن ثمارها حلوة)). ويقول فولتير ((التربية تطور المواهب, لكنها لا تخلقها)). ويقول جوزف جوبير ((الأولاد بحاجة إلى نماذج أكثر منهم إلى نقاد)). ويقول صالح عبدالقدوس ((إن الغصون إذا قومتها اعتدلت * ولا يلين ولو قومته الخشب)). ولو استعرضنا ما قيل عن أهمية وفوائد وقيمة التربية لتطلب الأمر مجلدات كتأكيد على أنها أي التربية قاعدة نجاح وتقدم ورفعة للشعوب. وقد عرف عن العمانيين اهتمامهم الشديد بتربية أبنائهم منذ الصغر ومراقبة سلوكهم وتهذيبه وتقويمه كلما شذ عن الطريق, واصطحابهم معهم أينما ذهبوا لكي يتشربوا من أخلاق المجتمع وتقاليده ويتعرفوا على الناس ويتواصلوا معهم ويعتادوا الحوار والمناقشة, وتعويدهم على التحمل والصبر والقدرة على التأقلم مع الشدائد والاعتماد على النفس وتدريبهم على حرفة أو مهنة تدر عليهم دخلا يغنيهم عن الآخرين, وتعويدهم كذلك على ممارسة الشعائر الدينية وحثهم على التعلم والتدبر وممارسة التفكير الناقد والمفيد في تمييز الخير من الشر وبناء الشخصية المرتبطة بالثقافة والبيئة والقادرة على كسب احترام وتقدير الآخرين, وأسهمت تلك التربية في إخراج وتقديم قائمة طويلة من العلماء في مختلف المجالات ومن الأدباء والمثقفين والبارزين والنبلاء وقادة المجتمع وأصحاب الرأي والتهذيب والمعاملة الحسنة والعاملين في مختلف الحقول والمهن والحرف والصناعات الذين تمتلئ المكتبة العمانية والمتاحف والأطلال بسيرهم وإنتاجهم وقصصهم وموروثاتهم الواسعة … إن الأزمة الأخلاقية التي نعيشها هي التي تقودنا للحديث عن التربية من حيث أهميتها ودورها في حماية المجتمع وفي قوته وتماسكه وربط أفراده بالجذور والقيم؛ لأنها تؤسس لحالة جيدة من الوعي وتعزز دور العلم والمعرفة وتحفز الناشئة على البحث وعلى طرح الأسئلة وعلى الفهم, وما نأسى له ونحزن من أجله أشد الحزن أن ترى ذلك النظام التربوي القيم يتراجع ويتقلص والتربية تفقد دورها. يؤكد على تلك الحقيقة جملة من الصور والمشاهد والمظاهر المتعددة الأوجه والصيغ التي نراها ونلمسها ونتابعها, محاولة الانفلات من القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع, تكريس نزعة الفردية في مقابل ثقافة المجموع, إعلاء المصالح الخاصة على المصالح العامة للمجتمع, توجيه الأهداف الكبيرة والنبيلة والقيمة المرتبطة باكتساب المعرفة والعلم لتحقيق أهداف ذاتية وربط تلك الأهداف بالمظاهر والمباهاة أي بالشكليات, اللهاث نحو الإثراء السريع ولو أدى ذلك إلى التخلي عن القيم الأخلاقية ومبادئ المجتمع, الانبهار بثقافة الآخرين وتبني مفاهيم وأفكار وأنماط لا تمت إلى ثقافة المجتمع بصلة مع العلم بأن أضرارها أشد من منافعها, الجنوح إلى التغيير المستورد في صوره الشكلية في الملبس والمأكل وفي ملامح الشخصية المفضي إلى الميوعة والمشوه للثقافة والمسيء لقيم المجتمع وعاداته, ارتفاع مؤشرات الجريمة وتعدد أساليبها وصيغ الفساد والممارسات غير المسؤولة .. ومع غياب التربية الهادفة والإشراف الأسري والمدرسي أو ضعف تأثيرهما على أقل تقدير فإن وسائل الإعلام والإعلان والآلة الحديثة والوسائل التقنية من إنترنت وحاسب آلي وألعاب كرتونية وإلكترونية وصور عالية الجودة وغيرها الكثير تقوم بدور رئيسي في تشكيل العقول وتوجيه الأفكار وغرس قيم ومفاهيم جديدة تكرس مبدأ فصل الفرد عن ثقافته وقيمه والتنكر لموروثاته وتاريخه ولغته التي لم يعد يكترث أو يعتني بها أو يسأل عنها، بل ويعتبرها البعض من مخلفات الماضي التي تجاوزها العصر. إننا في أمس الحاجة إلى إعادة الاعتبار للتربية لكي تمارس دورها في تقويم النشء وتهذيب سلوكهم والتخفيف من الآثار الخطيرة التي تمارسها الوسائل والأدوات المشار إليها ومعالجة المشاكل والظواهر الخطيرة الناشئة عن سوء التربية.

إلى الأعلى