الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يا جدَّنا الأعظم

يا جدَّنا الأعظم

أ.د. محمد الدعمي

الحكمة تقول: إن الإنسان يبحث ويتوسل بالمعرفة ويتدبر الأمور ليحصل على أجوبة لأسئلة، وليفهم الكثير مما يستعصي عليه فهمه من أمور.. لكن ما يقف شوكًا في الحلق يا جدنا العظيم، وما يشكل غصصًا لا تنتهي في يوم العيد هذا بأرض العراق والشام، كل الشام، بما فيها بيتك في الخليل من فلسطين/الشام، أرضك التي فيها نضجت وهديت وفديت ودَفنت ودُفنت.. أن يوم الفداء والحكمة والفرح الذي اجترحته بالتسليم وبرحمة الله الرحيم لك، ولنا بسببك، أننا يُضحَّى بنا في الأقصى وما حوله، وأن بعضنا يضحي بالإنسان في أرض العراق والشام..
كل عام وأنت بخير..

كل عام وأنتم بخير.. نحن في العيد، في أضحى الأضاحي، والإشارة هنا أبلغ من العبارة، وربما هي في سعة الرؤية أو تزيدها سعة، لضيق في عبارة النِّفَّري ولاتساع في معاني العيد ومدى الإشارات.. وربما لأمر لا ندركه يكون ما يكون في عيدنا “السعيد؟!”هذا الذي يُدمي القلب فينهمل دمُه مع دمع العيون. في بقعة مباركة من أرض الشام عيد، وفي عيد الشام هذه الأيام تكثر الأضاحي وتتنوع، ويدخل في أصنافها “الإنسان؟!”.. فمن يَنذُر نفسه لله يقتل الإنسان ليرضي “الله؟!” بزعمه، ومن ينذُر نفسه للشيطان والإلحاد والكفر بالله والإفساد في الأرض يقتُل ليتخلص من عباد الله، ومن يرفع راية الحرية والديمقراطية والدولة المدنية يقتل ويقتل ليصل إلى هدفه ويخلص الناس من “دولة الله؟!” وممن يحكمون باسم الله!؟ ومن يدافع عن مذهبه يقتل، ومن يتعصب لأيديولوجيته يقتل، ومن يدافع عن أرضه يقتُل، ومن يطمع في أرض الآخرين وثرواتهم يقتُل. ومن يريد سلطة يقتُل، ومن يريد أن يحافظ على سلطته يقتُل، ومن ينهب ويسلب يقتُل..!! وكأنما لقابيل في أرضنا ملايين الإخوة، وقبيلته هي العالم، وقد قدِّر عليهم القتلَ حتى لا يقبلَ الله أحدًا غيره؟! وموسم القتل يمتد ويتمدد منذ سنوات ويزدهر أيما ازدهار في أرض العراق والشام.
ويعيدنا عيدنا، وتعيدنا وتعيدنا الأضاحي البشرية فيه إلى ذكر أبينا وجدنا العظيم إبراهيم الخليل عليه السلام، يوم استسلم وابنُه إسماعيل لرؤيا فيها أمرُ الله، واستسلما لأمر الله في رؤيا، فتَلَّ وحيده الحبيب للجبين وكاد يذبح.. لكن.. نزل عليه النهيُ وأُنزِل إليه البديل.. كبشٌ ذِبْحٌ عظيم لمن صدق الرؤية وآمن بالله وامتثل لأمره.. فضحى إبراهيم بكبش وأنقذ الإنسان، وفرح فرحًا عظيمًا لا يضاهى، وكان فرحه عيدًا، وكانت سنة من بعده.. لكنَّ من يضحي اليوم بالإنسان في أرض العراق والشام لا يتبع نهج إبراهيم، ولا هو ممن يوحدون توحيده، ولا ممن يأخذون بحنيفية سمحة هادية مثل ذلك حنيفية ذلك الجد العظيم الذي جاء الإسلام ونبيُّ الإسلام عليه الصلاة والسلام ليعيدنا إلى ملَّته “ملَّة إبرهيم حنيفًا وما كان من المشركين.. الآية.”.
ترى ما الذي جعل إبراهيم يضع سكينًا على عنق ابنه الإنسان، ثم ما الذي منعه من إنفاذ الأمر/الذَّبْح؟! هل همَّ بالذبح تقرُّبًا إلى الله أم كان ذلك تجسَّد الامتثال الأول للموحِّد الأول.. أم تراه الهدى، وسبق لإبراهيم أن شك حتى.. ثم اهتدى؟!.. فلقد فعل ذلك حين شك بأن القمر يمكن أن يكون ربه، وفعله حين شك بأن الشمس يمكن أن تكون ربه، فهي أكبر.. ثم انتهى به الأمر إلى الإيمان بالله الواحد، مكوِّن الكون ومدبره، وخالق الأحياء والحياة، ومسيِّر الشمس والقمر والأرض والكواكب كلها إلى مستقرٍ لها.. فكلٌ في فلك يسبحون..؟!
لقد كان من أمر إبراهيم مع أبيه آزر ومع قومه في “أور”الكلدانيين ما كان، وقصد مَكَّةَ/بَكَّةَ في بعض روايات التاريخ، وصاهر جُرهُم إذ تزوج من هاجر الجرهمية/اليمانية وأنجب منها إسماعيل، جدَّ العرب الأول، حسب رواياتٍ تاريخية أيضًا.. وفي الكتب المقدسة أنه قَبِل هذه الخادمة المصرية/هاجر هدية من زوجته العقيم سارة الكنعانية، التي أهدته إياها ليكون له منها ولدٌ، ومن ثم غارت منها، بعدما ولدت له إسماعيل، فأمرته بأن يُبعدها عن بيته في أرض الكنعانيين، فترك إبراهيم هاجر مع إسماعيل “في واد غير ذي زرع”، في مكة؟!
لا أدخل في تمحيص بين الروايات، بين روايات التاريخ وبين ما جاء في الكتب المقدسة بهذا الشأن، وفيه تضارب بَيَّنٌ، لكني أطرح بمناسبة الأضحى والأضاحي و”العيد السعيد” وإبراهيم وإسماعيل.. أسئلة تتصل بالحدث وبالروايتين، أو تُستنبَت في تربتهما الخصبة وفي ما يحيط بها: أتراه، خليل الرحمن، يوم غادر مكة/بكة، بعد أن قدِمها أولًا وفق روايات تاريخية، تاركًا هاجر وإسماعيل في واد غير ذي زرع.. أتراه غادرها بأمر أم لأمر؟! نحن لا نعرف ذلك، وسؤالنا لا يحمل اعتراضًا أو شكًّا، ولا يمكن أن ينطوي على تشكيك من أي نوع، فذاك الذي هجر أور الكلدانيين بعد أن حطَّم أصنامها، نابذًا الشرك وأهله وقومه المشركين، كان يدرك أنه يخرج لله الواحد، ويقصد الله الواحد، ويؤسس لدين التوحيد.. وما الإسلام إلا عودة إليه وإلى مِلَّته “.. ملَّة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين.. الآية”. وفي مكة لم يكن إبراهيم مغلوبًا على أمره أو مكرَهًا على شيء، فهو صهر قبيلة جُرهم التي لها في اليمن والحجاز، وفي مكة من أرض الحجاز، رَبْعٌ وبَتعٌ وباعٌ وشوكة، وصهر جرهم ونزيلها لا يُضام.. إذن لماذا أرض الشام يا أبا إسماعيل، ولماذا مدينة الخليل من أرض الشام، ولماذا شَفَة كنعان، ولماذا سارة الكنعانية الحاكمة المتحكمة، من قبل ومن بعد؟! لم أدرك المعاني البعيدة لذلك الفعل ولكن يحضنني ويهيمن عليّ يقينٌ ينفي الشكَّ، بأن ذلك كان لحكمة، على الرغم من المعاناة.. والحكمة في حالات مخاض عسير لتجربة قاسية مرة، وفي حالات إلهام، وفي حالات إعجاز تتبدى على مشارفه وفي شُرافته الحكمة، وفيهما ما يضعف معه التفسير ويصعب معه التقدير.. ومن ذلك ما كان من قبل في بطحاء مكة من أمر معجزٍ انطوى على أكثر من تواريخ وحِكَم.. هناك إذ القيظ يرمِضُ الرَّمضاء ذاتها، وإسماعيل الطفل عطشٌ وبكاء، وهاجر تركض بين الصفا والمروة ـ وهما مرتَفعان صخريان بينهما انخفاض يسير ـ سبع مراتٍ غرثى ولهى، تسعى بين الصفا والمروة بحثًا عن ماء أو عن منجدٍ بماء، أو عن شيء من عذر وعزاء في عجز البشر عن إنقاذ أحب الناس إليهم من بني البشر حين يحين الحينُ أو يلم البين، وهي تبكي وتصرخ وتبحث عن عما ينقذ للطفل إسماعيل، وهو يكاد يدخل في النزع الأخير، يضرب بقدميه الغضَّتين الأرضَ ويبكي.. وإذ بالقدم الغضَّة تفجّر نبع زمزم.. ليكون الإعجاز إلهامًا بِكرًا وحكمة ومعجزة، فيشرب الصغير وينجو من الموت، وتفرح الأم/هاجر ويكون لها عيد، ويشرب خلق كثير بعد ذلك من ماء زمزم ويكون لهم تطهُّرٌ روحٍ وفرحٌ وعيد.
وجولة أخرى تكون لإبراهيم في مكة، بعد أن ترك هاجر وإسماعيل فيها، وبعد الرؤيا التي أريَها فاستجاب للرحمان الرحيم وتم الافتداء بذِبْحٍ عظيم.. أقصد الجولة التي رفع فيها أركان البيت العتيق مع إسماعيل، وأقاما للناس هناك محجًّا بقي لهم فيه طوافٌ وسعي وعيد وأضحيات يفدون ويفتدون كما فعل إبراهيم وكما فُدي إسماعيل.. ويشاركهم في كل ذلك، بعد الإسلام، أناسٌ من كل بقاع الأرض، تهوي قلوبهم إلى مكة لتَغْنَى بالإيمان والرحمة والمغفرة ولتُغْنِي الناس الذين هم هناك في وادٍ غير ذي زرع عن الحاجة والعزلة، استجابة لدعاء إبراهيم، يضحون لله مما جعله الله فداء وحلله للناس..
ترى يا جدّنا العظيم ماذا تقول لمَن كانت حكمتك ورحمة الله لك والفداء الذي هداك إليه ومَنَّ به عليك، بركةً على الناس.. فكان منهم من تخلى عن البركة والحكمة والنعمة والفداء فأخذ “يضحي” بالإنسان، يزهق الروح التي حرَّم الله قتلها إلا بالحق وفق العدل الحق؟! ماذا تقول/نقول في من بَرَكَ ويبرُك في بِرَكِ الدم شأن البعير الهائج، يرغي ويزبد وهو العجز والحقد والتيه؟! وماذا تقول لمن ينسب إليك وإلى الله الذي خلقك ورزقك ورحمك، ما لا يتفق وحكمتك ولا مع معاني رحمة الله لك ولزوجك بعدما بلغتما من العمر ما بلغتما، فيقتل ويعذب ويرهب ويرعب، ويحتج بما رحمك الله به وينسى العقل الذي كان سبيلك إلى الاهتداء والحكمة، ويخرج على كل ما هداك الله إليه ويسره لك وأدَّبَك به.. فيقتل ويعتدي ويفتري وينتهك حرمة الإنسان، ويدعي أنه من عنصرٍ غير الناس، ويأتي بكل فرية ترتج لها الجبال، ومن ثم يدعي أنه الأخلاق والقيم، وأنه البرَكة التي خصك الله بها، وأنه وارثك ومن عيَّنته وعينته السماء وريثًا وموعودًا بأرض الكنعانيين الذين احتضنوك، ويذبح ويرهِب ويفتري اليوم باسمك/الوعد؟!.. وهو من دين غير دينك، ومن قوم غير قومك، ومن نسل غير نسلك، ولا يمت إليك بنسب وينقطع بينك وبينه كل سبب، فهو من بحر الخزر وحثالت البشر، وآنت من أرض العراق ثم من أرض مكة ثم من أرض الشام، أنعم بك وأكرم؟! ولمَ يصرّ هذا المدعي الغريب العجيب على أن ينتزع البركة والرحمة اللتين مَنَّ الله بهما عليك وعلى زوجك سارة فرزقكما على الكبَر ولدًا، ويريد أن ينتمي إليك من خلاله بالقوة بل وأن يلحقك به يهوديًّا، وأنت لا يهوديًّا ولا نصرانيًّا بل حنيفًا مسلمًا؟! وهو في أرض كنعان، أرض الشام يقتُل باسمك وتنفيذًا لوعد يقول إنه اخْتُّصَّ به من دون الناس؟! أعرف يا جدنا العظيم أن أسئلتي ترتد إليّ بلا أجوبة.. فالحكمة/حكمتك، وكل ما اهتديت إليه بالعقل والتأمل والتدبر والتجربة، وما هُديت إليه بالإيمان ونور الله ونعمته عليك.. الحكمة تقول: إن الإنسان يبحث ويتوسل بالمعرفة ويتدبر الأمور ليحصل على أجوبة لأسئلة، وليفهم الكثير مما يستعصي عليه فهمه من أمور..
لكن ما يقف شوكًا في الحلق يا جدنا العظيم، وما يشكل غصصًا لا تنتهي في يوم العيد هذا بأرض العراق والشام، كل الشام، بما فيها بيتك في الخليل من فلسطين/الشام، أرضك التي فيها نضجت وهديت وفديت ودَفنت ودُفنت.. أن يوم الفداء والحكمة والفرح الذي اجترحته بالتسليم وبرحمة الله الرحيم لك، ولنا بسببك، أننا يُضحَّى بنا في الأقصى وما حوله، وأن بعضنا يضحي بالإنسان في أرض العراق والشام.. نُذبَح ونَذبح ونتذابح ولا نقبل الفداء، ونُقبل على الحقد والكيد والإبادة ولا ندرك أن في ترك كل باب من تلك الأبواب حكمة وفلاحٌ وعبادة.. ونمعن في الرعب والقتل والهدم والردم ولا نتمعَّن في الأمن والحياة والسلم، ولا فيما وراء ذلك من الحكمة والهدى والرحمة؟! اليوم.. مَن يَقبل الفداء منا ويتقي الغوص في الإثم والدم ويرفض الإرهاب والعنصرية والاستبداد والظلم والفساد والإفساد، ويدعو إلى أن نسلك دروبًا غير تلك الدروب.. لا يُقبَل ولا يكاد يُقبِل عليه أحد.. وهو فينا إما لا رأي له، وإما معزول بالمرذول من الناس ولا حيلة له، وإما متَّهم لأنه لا يقتحم بِرَكَ الإثم والدم ويبرك فيها مبارك الجِمال الهائجة الهدارة العاجزة عن حمل أعباء حياة الأمن والسلم والصلح والبناء والنماء، وعاجزة عن الاتعاظ بالحكمة واتباع الهدى.. نحن يا جدنا الأعظم في “العيدالسعيد؟!” الذي ما بعده أمنٌ ولا حُبٌّ ولا خصبٌ ولا عيد ولا سعيد!؟.. فاعذرنا وادعُ لنا ولا يتفتت كبدك وقلبك حسرة علينا، فإننا فقدنا أو كدنا نفقد الإحساس العالي للإنسان فينا، وقد أُجبِر كثيرون منا على ركوب لُجج البحار والغوص في رمضاء الرمال، وقَبول البؤس واليأس لأنه فقد الصوت وافتقد إلى من يسمع الصوت..
وكل عام وآنت بألف خيرٍ يا جدنا الأعظم.

إلى الأعلى