الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عن النازحين واللاجئين في الوطن العربي

عن النازحين واللاجئين في الوطن العربي

كاظم الموسوي

مر يوم اللاجئين في العشرين من الشهر الجاري من كل عام كأي يوم آخر، حتى بالنسبة للاجئين والنازحين والمهاجرين ومن عاش حياتهم، في وطننا وفي العالم أيضا. الأمم المتحدة التي خصصت هذا اليوم سنويا للاحتفال أو للتذكير بمحنة النزوح واللجوء والهجرة القسرية، أينما كانت وعند من ابتلوا بها كعادتها أصدرت تقريرا نشر بمختلف اللغات والوكالات. ولكن المحنة هي المحنة لم تبحث أي مؤسسة في إيجاد حل لها، وإيقاف أسبابها وتداعياتها، أو في التخفيف من المعاناة والخروج بما ينهي الكارثة. ورغم ضغوط الأعداد والأرقام وتحدياتها الإنسانية والأخلاقية التي تدفع إلى عقد مؤتمرات واجتماعات تبحث في الشؤون العامة لمحنة اللجوء والنزوح والهجرة فإنها تنتهي في الأغلب إلى لجان وتوصيات دون تنفيذ وآليات. وتتسابق معها اللوبيات والمجمعات العسكرية والنفطية في تأجيج الحروب والغزو والاحتلال والصراعات الأهلية وسياسات أخرى لتكون مادة قابلة للهجرة والنزوح واللجوء.
في تقريرها الأخير (وكالات 2019/6/19) أعلنت الأمم المتحدة أن عدد اللاجئين والنازحين المسجلين في العام 2018 وصل أكثر من 70 مليونا، وهو يعتبر رقما قياسيا، مع التأكيد على أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك. ووصفت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في تقرير سنوي حول اللاجئين عدد 70.8 مليون بأنه “متحفظ”، وخصوصا لأن الأشخاص الذين اضطروا إلى الهجرة من فنزويلا لم يتم إحصاؤهم بالكامل.
وللمقارنة، في نهاية العام 2017، بلغ عدد الذين أجبروا على النزوح من ديارهم بسبب الحروب أو العنف أو الاضطهاد 68.5 مليون شخص. ونسبت المفوضية تزايد العدد لاستمرار النزوح في إثيوبيا بسبب النزاعات العرقية، وفي فنزويلا بسبب الحصار الاقتصادي الذي تسبب في نقص المواد الغذائية والدواء. (طبعا تعرف الأسباب دون ذكرها أو تشخيصها فتهرب إلى النتائج، ولسان حالها يقول: العين بصيرة واليد قصيرة، وأحيانا أكثر..) وتقدر الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين فروا من فنزويلا منذ مطلع 2016 بنحو 3.3 مليون شخص.
ازداد عدد النازحين في العالم بمقدار الضعف في السنوات العشرين الماضية، والاختلاف في/ أو التعريف لمن هو نازح أو لاجئ موزع بين الآراء أو تحديد القانون الدولي ولا يعتمد في أغلب الأحيان، ولا سيما في الإعلام لأسباب أو غايات أو أهداف. وبحسب تعريف منظمة العفو الدولية فإن اللاجئ هو الشخص الذي يهجر بلده الأم، ولا يستطيع العودة إليه أو لا يعود بسبب النزاع أو خشية تعرضه للاضطهاد. بينما يعرف النازح من نزح من دياره إلى أماكن داخل حدود بلده، وهو ما يثير الالتباس أو خلط الأوراق.
ذكر التقرير ان 41.3 مليون شخص نزحوا داخل بلدانهم و25.9 مليون لاجئ و3.5 مليون طالب لجوء، ينتظرون البت في طلب حصولهم رسميا على وضع لاجئ بحاجة للحماية. والدولتان اللتان لديهما أكبر عدد من النازحين، هما سوريا منذ 2011، وكولومبيا التي تعصف بها أعمال عنف منذ عقود، وفق مفوضية اللاجئين. ولم يوضح التقرير وغيره محنة الأعداد الكبيرة من النازحين في البلدان العربية الأخرى، ولا سيما العراق واليمن والصومال وليبيا، والتأكيد عليهم ومعالجة أوضاعهم.
تشمل مجموعة اللاجئين، بحسب التقرير، 5.5 مليون فلسطيني يقيمون في عدد من الدول وخصوصا لبنان والأردن. وحسب ما قال المفوض السامي، الحل الأفضل للاجئ هو العودة إلى دياره عندما يهدأ الوضع في بلده، علما بأن 20 بالمئة منهم يقيمون في المنفى منذ أكثر من عقدين. وأضاف “نكاد نصبح غير قادرين على صنع السلام”. وأشار “صحيح أن هناك نزاعات جديدة وأوضاعا جديدة تنتج لاجئين، لكن النزاعات القديمة لم يتم حلها” وتابع “متى كان النزاع الأخير الذي تذكرون أنه تمت تسويته؟!”
في تساؤل المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الأخير صرخة غضب فردي معبرة عن عجز المنظمة الدولية وعن مشاركة قواها الفاعلة أو المؤثرة فيها في صناعة ما يشكو منه المسؤول الأممي. وتلك هي المحنة التي تعيشها الملايين من البشر منذ بدء الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المعمورة وإلى يومنا هذا والإجابة معروفة، ولكن غير مسموح بذكرها أو مغلف عليها لحد الآن. وبالتأكيد لم يجرؤ رسميا على انتقاد خطط تصفية القضية الفلسطينية بكل أبعادها.
على صعيد الوطن العربي طرحت قضية اللجوء والنزوح في أكثر من قمة واجتماع وصدرت قرارات وتوصيات، وخصصت أموال وافكار للمعالجة ولكن الأغلب فيها ظل مركونا على رفوف مكاتب الداعين لها أو مقر جامعة الحكومات العربية، من جانب أو نوقشت في ما يخص بلدا أو آخر لأسباب لا تتعلق بالمحنة ومعالجتها بالقدر الذي خرجت به البيانات والاجتماعات، وربما الضغوط الخارجية والتوجيهات التي لا تصب في حل القضية أبدا. هذا فضلا عن الاستفراد بالعمل والتهرب من المشاركة الجماعية والحلول الجذرية. ومعروف ـ للأسف الشديد ـ أن بعض الحكومات تسهم في صناعة المحنة في بلدان أخرى، فضلا عن مشاركتها في إبطاء أي معالجة أو حل سياسي أو قانوني وحتى إنساني عام. وهناك دراسات استراتيجية لهذه القضية، ولا سيما ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين وما يحاك لهم ومستقبلهم من خطط وبرامج ومؤتمرات وورش، كما أن هناك بيانات قمة، كبيان نواكشوط، مثلا وغيره، لم يجر التعامل معها جديا وتحويلها إلى خطط عملية وآليات تنفيذها بما يخدم القضية والتضامن العربي والإنساني.
محنة اللاجئين والنازحين في الوطن العربي كبيرة ومعقدة وتضحيات البشر فيها غير قليلة ويلعب التواطؤ الرسمي والفساد والتخادم مع المشاريع والمخططات الأجنبية المعادية دورا في استمراريتها، والأمثلة كثيرة، في أكثر من بلد عربي.
وللتذكير أيضا أو للاعتبار الانصات لما قاله المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو جراندي: “ما نراه في هذه الأرقام، هو تأكيد إضافي على الاتجاه المتزايد وعلى المدى الطويل من حيث عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى الأمان جراء الحروب والصراعات والاضطهاد”. وأضاف جراندي: “مع كل وضع للجوء، أينما كان ومهما طال أمده، يجب أن يكون هناك تركيز دائم على الحلول وإزالة العقبات التي تحول دون تمكن الأشخاص من العودة إلى ديارهم، ويعتبر ذلك عملا معقدا تشارك فيه المفوضية على نحو مستمر ولكنه يتطلب أيضا من جميع البلدان أن تتضافر من أجل الصالح العام.. إن ذلك من أحد التحديات الكبرى في عصرنا الحالي”.

إلى الأعلى