الأربعاء 17 يوليو 2019 م - ١٤ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التعويل على ضعف الذاكرة الشعبية

التعويل على ضعف الذاكرة الشعبية

محمد عبد الصادق

توارث المصريون عادة غريبة عن أجدادهم الفراعنة وهي أن كل حاكم جديد يقوم بهدم كل ما بناه الحاكم الراحل وتشويه سمعته وإنجازاته، وربما هذا يفسر عدم العثور على مقبرة فرعونية ملكية كاملة لم تتعرض للسرقة والنهب والتخريب، باستثناء مقبرة توت عنخ آمون التي اكتشفها عالم الآثار البريطاني هيوارد كارتر في العام 1922م، ووجد فيها كنوز الفرعون المصري لم تمس.
في العصر الحديث، عندما قامت ثورة 23 يوليو تم تشويه سمعة الملك فاروق وتأميم ممتلكات أسرة محمد علي، وتحويل القصور الملكية إلى إدارات حكومية، ومنع إذاعة الأغاني والأناشيد التي تمجد الحقبة الملكية.
وتكرر نفس الشيء بعد اختلاف الضباط الأحرار مع اللواء محمد نجيب وعزله من منصبه ووضعه قيد الإقامة الجبرية.
بعد وفاة جمال عبدالناصر في العام 1970، تولى أنور السادات الرئاسة بحكم منصبه كنائب لرئيس الجمهورية، ولكن كان هناك كثير من زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة مستكثرين عليه هذا المنصب، ويرونه غير جدير بخلافة عبدالناصر، وتعامل السادات بدهاء شديد مع هذا الوضع الشائك، فتظاهر بالسير على خطى عبدالناصر، وظل يردد نفس الشعارات وأعلن احترامه للسياسات الناصرية، وأبقى على التنظيمات السياسية كالاتحاد الاشتراكي، وترك صور عبدالناصر معلقة في القصر الجمهوري والمصالح والدواوين الحكومية.
وفي السر راح يدبر خطة للإطاحة بمعارضيه من كبار المسؤولين ممن أسماهم بمراكز القوى، وبعد مرور أقل من عام نجح في القبض عليهم فيما سمي بثورة التصحيح في مايو 1970م، وتفرغ بعدها للتخلص من شبح عبدالناصر، فاستعان بمجموعة من الكتاب والصحفيين الموالين، لشن حملة تشويه للحقبة الناصرية، بالحديث عن التعذيب والسجون والاعتقال خارج إطار القانون وفساد الأجهزة الأمنية، وامتلأت الصحف القومية بمقالات تهاجم عبدالناصر وأفلام سينمائية وكتب وروايات لكبار الأدباء والمثقفين تتحدث عن زوار الفجر وفساد جهاز المخابرات.
وظهر السادات كحامٍ للحريات وحقوق الإنسان وهو يحطم أسوار سجن القلعة الشهير، ويطلق سراح المعتقلين من جميع التيارات السياسية (إخوان ويساريين وشيوعيين) ولكن المفارقة أن خرج بعضهم يهاجم السادات ويسبح بحمد عبدالناصر الذي أودعه السجن وبعضهم نظم قصائد في رثاء الزعيم الراحل.
قرر السادات الإفراج عن اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد الثورة، ضمن حملته لتشويه نظام عبدالناصر الذي محا اسمه من كتب التاريخ، وأزال صورته من الأفلام الوثائقية والسينمائية، وظللنا سنوات ندرس أن جمال عبدالناصر هو أول رئيس لجمهورية مصر العربية ولا ندري شيئا عن حكاية محمد نجيب، حتى أنني سألت والدي عنه بعد نشر الخبر في الجرائد وقد كان معاصرا لتلك الأحداث، أجابني بأن نجيب لم يحكم سوى سنة واحدة، كان عبدالناصر خلالها رئيسا للوزراء وكانت الأبصار كلها معلقة بالضباط الشباب ولم نلتفت لاختفاء الرجل العجوز, لأننا كنا على يقين بأن عبدالناصر هو زعيم الثورة وقائدها بلا منازع.
ورغم كل ذلك لم تؤتِ الحملة ثمارها، حتى جاء نصر أكتوبر 1973م، الذي رفع شعبية السادات، وجعل المصريين يثقون بقدرة السادات على خلافة عبدالناصر فبدأت صور ناصر تختفي تدريجيا من المقرات الحكومية والمدارس والجامعات، وبدأ السادات يبتعد عن الاتحاد السوفييتي الحليف القوي لعبدالناصر وطرد المستشارين العسكريين السوفييت، واتجه إلى أميركا والغرب، وبدأت حملة منظمة لبيع القطاع العام ورفع التأميم عن كبار الملاك والإقطاعيين، واعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادي.
بعد اغتيال السادات في حادث المنصة يوم 6 أكتوبر 1981م على يد خالد الإسلامبولي ضابط الجيش المنضم لجماعة التكفير والهجرة، لم تكن هناك مشكلة في انتقال السلطة إلى نائبه حسني مبارك الذي اختاره لمنصب النائب بعد نجاحه في قيادة القوات الجوية في حرب أكتوبر 1973م. كان أول قرار لمبارك إطلاق سراح 1500 من كبار السياسيين والمثقفين والطلاب؛ الذين اعتقلهم السادات قبل اغتياله بشهر لاعتراضهم على “كامب ديفيد”، وكان من بينهم محمد حسنين هيكل والبابا شنودة والشيخ المحلاوي وفؤاد سراج الدين زعيم حزب الوفد وحمدين صباحي وعبدالمنعم أبو الفتوح، وتفاءل المصريون بتولي مبارك الحكم رغم أنه اتضح مع مرور الوقت، أنه لا يختلف كثيرا عن سلفه في سياساته وتوجهاته.

إلى الأعلى