الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محفوظ الفارسي ونبوءات جديدة للشعر الشعبي ( 1 – 2 )

محفوظ الفارسي ونبوءات جديدة للشعر الشعبي ( 1 – 2 )

” كما أن الخيال يُجسِّم صور الأشياء غير المعروفة ، فإن يراع الشاعر يُحيلها إلى أشكال ، ويمنح
الأشياء الشفيفة حيزا محدودا ويجعل لها اسما ” ( شكسبير )

هشام مصطفى:
إن الدور الذي يلعبه الشعر الشعبي في تشكيل وجدان المتلقي لا يقل خطورة عن هذا الدور الذي يلعبه الشعر الفصيح بل يتعداه خطورة إذ أن الشعر الشعبي له المكانة التي قد لا ينالها الشعر الفصيح نتيجة أنه يصل إلى الشريحة الأكبر من المجتمع ، ولم لا وهو يخاطبه بلغته ، وبنسق جملي قريبة منه ، ويعتمد اعتمادا كليا على طربية الجمل والتي تلقى هوى لدى متلقيه ، وإن كان الشعر الشعبي لم ينل حقه في الدراسات النقدية كما نالها الشعر الفصيح ، فإن هذا لا يمنع أو يلغي مكانته ، ولعل هذا الموقف النقدي منه جاء نتيجة اللغة المستخدمة والتي هي إحدى روافده الشعرية التي اكتسبها على مر التاريخ ، فالشعر الشعبي يمكن أن يقال عنه ضمير المجتمع في صورته البسيطة دون تعقيدات اللغة وتقعير الشعراء لها في بعض الأحيان .
إن ما يمكن أن نشير إليه باطمئنان ، أن الشعر الشعبي له العديد من القضايا التي لم يتطرق لها النقاد والمهتمون به لذا فهو يحتاج إلى الكثير من العناية والتعهد ، لا في صورة النقد السلطوية ، بل في طور فهمنا للنقد كإبداع ثان للنص ، يضيف له ، ويطرح تساؤلاته ، وينير لمتابعيه التطورات الحادثة فيه ، والشعر الشعبي مثله مثل جميع أنواع الفنون ، طرأ عليه من التغيرات لبنيته اللفظية والنسقية بل وفي جمالياته بالمعنى الفلسفي للمصطلح ، وكذلك في أسلوب التناول لموضوعاته ، وإن لم تنل هذه التغيرات في موضوعاته / أغراضه بالقدر الذي يواكب تغيرات البناء الفني والفلسفي فيه ، إلا في بعض المحاولات التي نتعرض لها لاحقا ، ويأتي ذلك كنتيجة حتمية لتطورات أخرى مؤثرة في الفنون جميعا ، كثقافة الشاعر الشعبي ، وتطور مفهوم الحياة والوجود ، والتطور المجتمعي ذاته ، ناهيك عن أثر الحداثة وإن لم يشعر بها المتلقي أو يستطيع التعبير عنها .
وإن كنا قد تعرضنا لشعر الشاعر محفوظ الفارسي في دراسة سابقة لديوان سرب والذي أحدث جدلا واسعا نظرا لما أتي به مخالفا لما اعتاده والذي حمل فيما حمل الكثير من تغييرات في بنية الشعر الشعبي من ملامح حداثية جعلته يؤذن بتحولات مهمة في مساره ، والتي تأكدت في منتوج الشاعر اللاحقة ، إلا أن التحولات هذه المرة لم تكن في البنية بقدر ما هي تضرب في المفهوم والمضمون لبنائه وهذه التحولات هي بحق يمكن أن نرجعها في محاولة رفد الشعر الشعبي بشرعية أخرى لا تتوقف على ما هو معروف واعتاده المتلقي العادي وليس المتخصص .
ولكي نرصد هذه التغييرات لابد أن نعود إلى فهم ماهية الشعر الشعبي ، فالسؤال الملح الآن ما الشعر الشعبي ؟ وما أسسه التي بنى عليه شرعيته ؟ وهل ثمة تغييرات لدى الشاعر محفوظ الفارسي تتيح لنا أن نخرج بنتيجة ما ؟
وسريعا يمكن أن نرصد تعريف الشعر الشعبي لدى البعض من الذين تعرضوا لهذا الأمر ، ففالح الحارثي يرى تسمية الشعر الشعبي ( لان القصائد تنظم بلهجة أهل البلد أو المنطقة وتميزهم عن غيرهم مثل أهل نجد و الحجاز. )1 وأما فاطمة مشعلة فترى (الشعر الشعبي أو الشعر العامي؛ وهو الشعر الذي يستمدّ كلماته، وألفاظه، وطريقة أدائه، ومعانيه، وأسلوبه، مِن الحياة العامّة أو الشعبيّة، حيث يكتب بكلمات من اللهجة المحكية بين الناس، ولا يستخدم الفصحى، لكنه يختار أجمل التوصيفات التي يقولها الناس في كلامهم ولهجتهم المحكية، وعندما نتحدّث عن الشعر المحكي لا نقصد بذلك الطريقة العبثية بالنظم؛ بل البساطة والقوّة التي لا تتأتّى لأيّ أحد، وقول الشِعر الشعبي يُعدّ مهارة جامعة؛ فالذين يكتبونه يُعبّرون عن أصالة الحارات الشعبية، وأزقة البيوت، وطبيعة الحياة، وصعوبتها في موضع، وجمالها، وسهولتها في موضع آخر، والشاعر هنا يبحث عن أعذب مُفردة وأكثرها تلقائية؛ ليكسبها المعنى الذي يطير إلى أذن المتلقي ويرحب بها، ويُعتبر أكثر قُرباً بطبيعة الحال إلى الناس من الشِعر الحُر؛ لصعوبة الأخير على الفهم المُباشر، واحتوائه على المفردات والمصطلحات المُركبة، وصبغها بحالات انفعالية تتطلب مزيداً من البحث حين مطالعتها أو الاستماع إليها خلال ندوة أو أُمسية شِعرية )2 .
أما طاهر العميري فيرى بأن (ما يميز القصيدة العامية عن غيرها من صنوف الكتابة الإبداعية أنها ترجمة حقيقية فيما يفكر فيه شاعرها من همٍ يومي، فهي غير منفصلة عن لغة التفكير، فهي تستمد وجودها من لغة الحديث التي نمارس بها وجودنا الحياتي، فلا توجد تلك القطيعة الكبيرة بين ما نفكر به وما نمارسه من فعل يومي حياتي وبين ما نكتب… فالأدب الشعبي أو العامي مرتبط ارتباطا وثيقا بجغرافية المكان ومكوناته الثقافية فتأتي التسمية على ضوء مقدمات ثقافية ومعرفية وتاريخية واجتماعية …فالقصيدة حالة خاصة لها مقدماتها النفسية والشعورية، لكن الذي حدث تاريخيا واجتماعيا ان ارتبط الشعر الشعبي بالفنون المغناة فهو شعر يرتجل ليغنى )3 .
من المفاهيم السابقة للشعر الشعبي يمكن أن نخرج بأهم ملامحه ، فهو بلهجة البلد التي خرج منها ، ولغته محكية أي تُلتقط من لغة المجتمع المستخدمة ، وهو يعبر عن أسلوب حياة المجتمع ، وهو ترجمة لنمط الفكر المجتمعي وأخيرا هو وليد جغرافية المكان أو عبقريته وتاريخه .
فالشعر الشعبي إذن شعر من الناس للناس أو من المتلقي للمتلقي ، وهو يتناسب والعقلية للعامة لا الخاصة ، يفكر كما تفكر ويتكلم كما تتكلم ، ويصبح الشاعر الشعبي الوسيط والمترجم له والناقل الأمين لهكذا معادلة ، قد تبدو سهلة المأخذ إلا أنها صعبة المنال ، حيث على الشاعر أن يحول الرسالة إلى ما أشار إليه شكسبير إلى أشكال ، ويمنح الأشياء الشفيفة حيزا محدودا ويجعل لها اسما، وعليه أتت شرعية الشعر الشعبي ، إذ إنه المتحدث الرسمي للمجتمع لفظا وجملا وفكرا ، ناهيك عن الالتصاق الوثيق بتاريخه وجغرافيته ، فهو وثيق الصلة بكينونة الشخصية للمجتمع كأفراد وجماعات، وأحد ملامح هُويته وملامحه النفسية .
والسؤال الذي يمكن أن نحاول الإجابة عنه ، هل ظلت شرعية الشعر الشعبي عند محفوظ الفارسي كممثل للحداثة الشعرية له؟ ليست لدينا قاعدة يمكن الانطلاق منها سوى نماذج من شعر الشعبي للشاعر ففي قصيدة ( الليل والعرجون ) للشاعر يقول في مطلعها (الليل ياخذ شكله العرجون / يفتح مسامات القصيدة الشاخصة / اخدودها الفضي العصي / شرفة سوالف صدرها المسكون / وأنا على حد الكتابة الباذخه / احرك الراكد.. / ارمي صدر هذي العصية المعجزة / بالممكن المجنون ) .
فعلى مستوى اللفظة ( العرجون / مسامات / الشاخصة / اخدوها / الفضي / سوالف ) كلها ألفظ ملتقطة من أفواه العامة بمختلف مستوياتها الفكرية أو التعليمية على أقل تقدير ، لهذا فهي من ناحية الشكل ألفاظ مجتمعية ملتقطة من الأفواه ، وإنما هل بقيت الدلالات كما هي ؟ كما يستخدمها العامة فعلا ، وهذا مناط السؤال الحقيقي ، وهذا ما يستدعي أن نتحول للنسق الجملي ، فاللفظة ميتة حتى ترتبط بجملتها .
والنص المطروح ينطلق من الخارج ( الليل ) إلى الداخل ( الذات / وأنا ) وما بين الخارج المؤثر والداخل المتأثر تتحول الألفاظ ونسق جملها جسرا حاملا للمؤثرات والمتأثرات فالليل ( يأخذ / يفتح ) وتصبح الألفاظ ( العرجون / مسامات / أخدودها / سوالف ) مسندات إلى الفعل أو تابعة لمسنداته وبالتالي تأخذ دلالات أفقية من الحسي إلى المعنوي أو من الدلالة السطحية إلى أعمقها المعنوي فالعرجون (اسم) ◦الجمع : عَراجينُ ◦ و العُرْجُونُ : العِذْق ، ما يحملُ التَّمْرَ ، وهو من النَّخْل كالعنقودِ من العنب ( كما جاء في المعجم الوسيط )4 وهو لفظ شائع الاستخدام في البيئة العمانية المرتبطة بالنخلة وله ارتباط ديني { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ }5 . فاللفظة إذن تأخذ معناها من الشكل تارة كتمظهر آني في العقل كمحسوس إلى دلالة التحول الشكلي وما يتبعه من دلالة خاصة في النص حيث الانتقالية والقفز كمؤثر على الشاعر وبالتالي يتيح التراتبية في الانتقالية كي يكون فاعلا حقيقيا ( يفتح ) وتكون المسامات غير تلك التي يمارسها العامة في التداول وعليه تتوالى الألفاظ مبتعدة عن حقيقية الاستخدام لمجازيتها الشعرية وهذا في إطار المؤثرات أما المتأثرات ( الأفعال الصادرة من الأنا ) فهي ( أحرك / أرمي ) وتكون هي المسند والذات / الأنا المسند إليه وكذلك تصبح الألفاظ مع الشاعر بعيدة بعدا نوعيا ظاهريا عن التداول العامي ، وهنا تحديدا يمكن أن نلحظ التحول في استخدام الألفاظ فالراكد و العصي والمعجزة والممكن والمجنون ليست من خصوصية الألفاظ المجتمعية بل هي ألفاظ عربية فصيحة دارجة الاستخدام في المستوى الثقافي الأعلى لرجل الشارع وأقل من المستوى الثقافي للخاصة هي اللغة المحكية في الحياة الثقافية لا اللغة المكتوبة إلا إذا أخذت نسقها الفصيح مع الضبط .
فالنص يأخذ من الشارع ليولد إليه شكلا وسطا انتقالي للألفاظ ليضيفها لمعجمه ، وبالتالي لغته تصبح خليطا من المحكي بين فئات مجتمعه ليوحدها في نسق شعري ، وكذلك فعل في جملته من نفس النص حينما يقول (دشداشه الدهشة الوسيعة الفارهه ) فلفظ دشداشة عمانية الشكل والدلالة تقابلها الدهشة ثقافية حداثية كمصطلح كذلك الوسيعة كمشتق متداول أمام الفاره كلفظة فصيحة ، وهنا حالة الانتقالية الواضحة لاستخدام اللفظ وتماهيه مع المستويات اللفظية الأخرى من مستويات أعلى ثقافيا وبهذا يتم توليد لغة متمازجة جديدة .

المراجع :
1 – فالح الحارثي (أوجه الاختلاف بين الشعر الشعبي والشعر النبطي ) مقال / صحيفة (اليوم) بتاريخ الجمعة الموافق 25 يناير 2008 العدد 12642.
2 – فاطمة مشعلة – آخر تحديث: ٠٦:٢٣ ، ٤ سبتمبر ٢٠١٦ موقع ( موضوع )http://mawdoo3.com
3 – طاهر العميري* / مقال / الشعر الشعبي العماني قضايا اللغة و إشكالات الهوية / مجلة نزوى العدد 5 فبراير,2017 آخر تحديث 2018/01/20 11:10:48 مساءً .
4 – المعجم الوسيط
5 – سورة يس

إلى الأعلى