الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / قرقعة السلاح والموقف الأوروبي

قرقعة السلاح والموقف الأوروبي

علي بدوان

الدول الأوروبية التي وقّعت الاتفاق النووي (5+1) مع إيران ممثلة بفرنسا وبريطانيا وألمانيا، تكرر التزامها بالاتفاق إياه، بالرغم من عدم تنفيذ أي التزام جدي وحقيقي من قبلها، بشأن الاتفاق بإجراءات ملموسة اتفق عليها الجانبان (الإيراني والأوروبي) بعد انقلاب الرئيس دونالد ترامب على الاتفاق. ففي ختام لقاء وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، مع وزير الخارجية الألماني هايكو مايس مؤخرا، أكد الوزير الألماني “أن دول الترويكا الأوروبية ملتزمة بالاتفاق النووي (5+1) مع إيران، لكن لا يُمكنها صناعة المعجزات”. وهو ما أعلنته الدول الأوروبية في كل مناسبة، طالما أن الإعلان يوحي ظاهرا بتميزها عن الإدارة الأميركية من حيث تمسكها بالاتفاق حتى الآن، وقد يبرر لها عدم التزامها بتنفيذ الإجراءات المفترضة على أرض الواقع، بذريعة عدم الإمكانية للقيام بذلك نتيجة الضغوط الأميركية التي تهدّد المصالح الأوروبية مع الولايات المتحدة، كما يُبرر ذلك العديد من الجهات السياسية الرسمية الأوروبية. فكان ما كرره وزير الخارجية الألماني في لقائه مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بأن “المهم مواصلة الحوار لتجنّب التصعيد العسكري”، لكن الموقف الأكثر تعبيرا في الحالة الأوروبية لجهة عدم تنفيذ الالتزامات والإجراءات العملية المترتبة على الاتفاق حتى الآن من قبل الطرف الأوروبي، فيمثلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فهو يكرر الآن دعوته إلى ما أسماه تكامل الاتفاق النووي بما يشمل البرنامج الصاروخي وما سماه احتواء الدور الإيراني في المنطقة، وهو المطلب الذي تنادي به الإدارة الأميركية بناء على رغبات ومطالب “إسرائيل” المتكررة بما في ذلك سحب الخبراء الإيرانيين من سوريا.
الدول الأوروبية، وبالمجمل، والتي تعلن التزامها بالاتفاق النووي (5+1)، تراهن على استمرار الحوار السياسي والدبلوماسي مع إيران، الأمر الذي يعفيها من متاعب التطبيع السياسي والاقتصادي في ظل الضغط والإحراج الأميركي، بدعوى أنها تفتقد القدرة على الالتزام ولا تفتقد الإرادة السياسية. وفي هذا الإطار سعت إيران لطرح أفكار جديدة مع الأوروبيين بعد انقلاب الرئيس دونالد ترامب على اتفاق (5+1)، من خلال طرح فكرة الاتفاق على آلية “إنستكس” الاقتصادية التي تتيح لأوروبا تجنّب العقوبات الأميركية، وهي آلية تتيح إنشاء هيئة أوروبية موكلة بحسابات الشركات الأوروبية المصدّرة والمستوردة من دون المرور بالبنك المركزي الأميركي، وبالتالي ما تتذرّع به الدول الأوروبية بأنها تفتقد القدرة على تنفيذ التزاماتها نتيجة خروج الولايات المتحدة من الإتفاق، ولا تفتقد الإرادة السياسية.
لقد رفضت ايران، حتى الآن، كل الضغوط المسلطة عليها أميركيا، بما في ذلك ضغط الأساطيل وقرقعة السلاح، لدفعها للقبول بإمكانية العودة لتعديل الاتفاق النووي الموقع (5+1) الموقع 2015، كما في رفضها اقتراحا فرنسيا بإحياء المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق أشمل يتجاوز الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، حيث تدرك عواصم القرار الأوروبي معنى الانهيار التام للاتفاق وأضراره على العلاقات التجارية والاستثمارية مع طهران.
الموقف الإيراني ما زال حتى الآن يرفض إعادة النظر بالاتفاق، والعودة للمفاوضات تحت ضغط الشروط الأميركية الجديدة، وهو ما أشار إليه عباس الموسوي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية الذي حذَّر من أن “طرح قضايا تتجاوز الاتفاق النووي لا يساعد في إنقاذ الاتفاق، ولكنه سيتسبب بدلا من ذلك بزيادة عدم الثقة بين الأطراف”. واندفع في ذلك رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، وهو من التيار غير المحافظ، ليعلن “أن إيران لا تحتاج إلى علاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، ومن الأولى أنها لا تحتاج إلى علاقات مع أوروبا”.
وحقيقة الأمر، يسعى الأوروبيون، وخصوصا الدول الثلاث المعنية بشكلٍ مباشر بتوقيع اتفاق (5+1) (ألمانيا + فرنسا + بريطانيا) لتجنيب الاتفاق حالة الانهيار الكلي، وتراهن الدول الأوروبية المعنية، على إمكانية فعل وتأثير المسارات السياسية والدبلوماسية لحل الاستعصاءات التي برزت في مسار الاتفاق بما في ذلك حل المشكلة مع الإدارة الأميركية التي انسحبت من الاتفاق لجهة تعديله. ونُشير في هذا المقام إلى الدور الخاص الذي تلعبه سلطنة عمان في التوسط لدى مختلف الأطراف المعنية بدبلوماسية فاعلة ونشطة، خصوصا وأن سلطنة عمان تحتفظ بعلاقات إيجابية وعلاقات تواصل مع جميع الأطراف المعنية، ويُقدّر لدورها أن يُسهم بتبريد الأجواء، وتخفيف درجة الاحتقان السائدة. فالمصلحة العربية، ومصلحة دول الخليج تقتضي تجنيب المنطقة أي تطوراتٍ دراماتيكية تقود المنطقة لاندلاع حرب لا تحمد عقباها، وهو ما تدركه تماما سلطنة عمان، لذلك تبادر الآن للقيام بدورها الإطفائي في مسارات الأزمة المشتعلة سياسيا ودبلوماسيا.
وبالمقابل إن “إسرائيل” كانت وما زالت، ومنذ وقت طويل، تدفع باتجاه قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية قوية وشبه شاملة لإيران، لكن الرغبة “الإسرائيلية” كانت وما زالت تصطدم بالحسابات الأميركية، حيث ترى واشنطن أن أي تورّط عسكري جديد لها في إشعال النيران في منطقة الخليج سيجلب لها الكوارث الكبرى بعد تجاربها المريرة التي استخدمت فيها القوة العسكرية في أكثر من مكان، لذلك باتت تفضل الخيارات السياسية والدبلوماسية، وممارسة كل أشكال الضغوط على طهران لخنقها اقتصاديا وتجاريا ومحاولة منعها من تصدير النفط، واستدراجها لعملية تفاوضية مغايرة لما وقع أثناء التفاوض على (5+1)، وهذا لا ينفي أن الولايات المتحدة لن تستخدم لغة التهديد والوعيد، بل ستبقى تلك اللغة سائدة بما في ذلك حشد الأساطيل في مياه الخليج وبحر العرب، والتلويح بعمل عسكري من حين لآخر، والقيام ببعض الفعاليات العسكرية.

إلى الأعلى