الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / غرائب المزادات

غرائب المزادات

جودة مرسي

اهتمت وكالات الأنباء العالمية هذا الأسبوع بنبأ بيع ممتلكات أباطرة المخدرات في المكسيك في مزاد علني وتخصيص عوائد البيع لدعم الفقراء، وشملت المعروضات سيارات وعقارات ومنازل تضم أحواض سباحة وأنفاق الهروب، إضافة إلى الشقة التي قتل فيها أحد أباطرة تجارة المخدرات، وتم بيع تسعة من أصل 27 عقارا كانت معروضة للبيع، وجمع نحو 3 ملايين دولار، ومن المتوقع أن يتخطى حاجز الخمسة ملايين دولار، وقالت السلطات المكسيكية إن المزيد من المزادات ستقام خلال الأشهر المقبلة.
ومنذ أسابيع قليلة نقلت وكالات الأنباء خبرًا عن بيع طبق بيتزا ورقي استخدمه المغني الشهير كيرت كوبين مقابل 22 ألف دولار في أحد المزادات بنيويورك، والسبب هو أن الطبق الورقي المستعمل مسجل عليه قائمة من الأغاني كتبها الموسيقي والمغني الراحل كيرت كوبين قائد فرقة نيرفانا الموسيقية باللون الأسود قبل العرض الذي قدمه في واشنطن عام 1990، واعترفت دار جولينز للمزادات بقولها “إنه كان من المتوقع بيع طبق البيتزا المستعمل بحوالي ألفي دولار فقط”، كما بيعت سترته الصوفية التي كان يرتديها في آخر جلسة تصوير له قبل انتحاره عام 1994 مقابل 75 ألف دولار.
عند الحديث عن المزادات نفاجأ بأشياء تدخل في نطاق اللامعقول والغرابة حين نجد سلعة معروضة بثمن خيالي يقارب النصف مليار دولار لمجرد أن يقال على شخص إنه امتلكها، وهذا المبلغ كافٍ لبناء مصنع كثيف العمالة وتشغيل آلاف العمال والموظفين.
الحقيقة أن البعض تستهويه تجارة أو اقتناء وتتبع أخبار المزادات التي تحتوي على بعض الأعمال الفنية والتحف، ويذهب إليها البعض إما لندرتها أو تاريخها أو للتجارة فيها، خصوصا أصحاب الخبرة الذين يعرفون الغث من الثمين والذي يمكن اقتناؤه وتحقيق ثروة مضاعفة في حالة إعادة بيعه مرة أخرى، هذا بخلاف من تستهويه فكرة اقتناء الأشياء القديمة كهواية محببة، بخلاف من يعتبرون المعروضات فرصة استثمارية مثل مزادات المكسيك المذكورة في أعلى المقال.
لست خبيرًا بالمزادات، ولا أعلم عنها شيئًا إلا من خلال قراءة أخبارها عبر وسائل الإعلام أو من خلال الأفلام القديمة التي تنقل بعض المشاهد من عملية إجراء المزاد، لكن الكثير من أخبارها تستفزني بسبب الأسعار المبالغ فيها والتي قد تصل أحيانا إلى ملايين الدولارات، مثل مرحاض “لينون” وهو الذي يعود إلى “جون لينون” أشهر أعضاء فريق ذا بيتلز الغنائي، والذي استخدمه ثم أعطاه لـ”جون هانكوك”، وقد بيع في مزاد عام 2010 بمبلغ يقارب 15 ألف دولار، أو بيع طقم أسنان “ونستون تشرشل” رئيس وزرا بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية بقيمة 23 ألف دولار.
يحكي لي صديق أنه كاد أن يكون ضحية لمثل هذه المعروضات، فحين فكر في اقتناء (جرامفون) قديم يعود تاريخه للأربعينيات أو ما قبلها قليلا بهدف الاستماع للاسطوانات القديمة التي تذكره ببدايات ظهور الموسيقار محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبده الحامولي وزكريا أحمد، والشيخ محمد رفعت وأمثالهم من العظماء الذين كان لأصواتهم إحساس وعبق تاريخي مرتبط بالاسطوانات القديمة، لكنه وجد أن سعر (الجرامفون) وصل لمبلغ خيالي جعله يعيد التفكير في شرائه، حتى انتصرت فكرة العدول عن الشراء، بفعل المفاضلة بين هذا (الجرامفون) وبين سعر مشغل الاسطوانات حديث الصنع الذي يباع بسعر أقل وباستخدام تقنية أعلى.
إذا كان من اشترى معروضات مزاد المكسيك تعامل معها بواقعية شديدة لأنها تمثل عقارات ومنقولات قابلة للاستخدام، وبها درجة كبيرة من الجودة، ومع مرور الوقت تزداد قيمتها السوقية أو في أسوأ الأحوال ستبقى كما هي، إلا أنه من غير المعقول أن يكون سعر طبق ورقي يستخدم مرة واحدة ثم يلقى به في سلة المهملات آلاف الدولارات لأن شخصا مشهورا كتب عليه، ولو افترضنا أن هذا الطبق وصلته بعض القطرات من الماء نتيجة أمطار أو عوامل الرطوبة ستذهب هذه الأموال جفاءً، وفي هذه الحالة لن تشفع له قيمته الأدبية ولن تعيده الأموال إلى سيرته الأولى، وعلى مشتري السترة أن يتوخى التلف والأضرار عند تخزينها.
التاريخ مليء بأشياء غريبة بيعت في مزادات على أنها مقتنيات فريدة، وهي لا تساوي أتعاب العامل الذي يحملها، وقد تجد من يتولون مناصب مرموقة ورفيعة المستوى يقبلون على شرائها لأنهم مفتونون بالشهرة، لتمثل أغلب المزادات إهدارًا للمال الخاص ـ وربما العام ـ ويغيب التقييم المنطقي والرؤية الواقعية التي تثمن وتقدر معروضات المزادات وتعلو نزعة النرجسية فوق سماء روادها؛ لأنهم يريدون أن يكونوا مثار الحديث والجدل ويبحثون عن الشهرة حتى لو كانت في إنفاق ملايين الدولارات في معروضات لا تساوي شيئا.

إلى الأعلى