الثلاثاء 16 يوليو 2019 م - ١٢ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / اسطنبول والشرعية

اسطنبول والشرعية

د.احمد مصطفى

تتجاوز الهزيمة التي مني بها حزب العدالة والتنمية في انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول حدود تلك المدينة المهمة، وحتى مسألة الانتخابات البلدية برمتها. ويجوز القول إنها لا تتعلق فقط بفوز مهم للحزب المعارض الرئيسي على الحزب الحاكم ـ حزب الرئيس رجب طيب اردوغان. فقد جعل اردوغان من انتخابات رئيس بلدية اسطنبول تحديا سياسيا يتعلق به شخصيا وليس فقط بحزبه. وسبق وأشرنا في هذه الزاوية إلى أهمية بلدية اسطنبول، وليس فقط رمزية حكم المدينة الأهم في تركيا (حتى من العاصمة الرسمية أنقرة)، بالنسبة للرئيس اردوغان. وهذا ما جعل الرجل يستميت، ويعدل قرار هيئة الانتخابات التي أعلنت في وقت سابق من هذا العام فوز مرشح المعارضة على مرشح حزب اردوغان الحاكم. وضغط اردوغان لتعاد الانتخابات بعدما فشلت عملية إعادة الفرز في الانتخابات الأساسية في إنجاح مرشحه. وأعيدت الانتخابات في اسطنبول ليفوز مرشح المعارضة مجددا وبأغلبية هائلة.
تظل اسطنبول في غاية الأهمية بحد ذاتها، كما أشرنا في مقال سابق، إلا أن هزيمة اردوغان في الانتخابات المعادة وبهذا الفارق الكبير في الأصوات تعد مؤشرا على أن منحنى هبوط أسهم الرجل الذي يحكم تركيا منذ مطلع القرن (رئيسا للجمهورية ورئيسا للحكومة) آخذ في التسارع. صحيح أنه منذ 2002 نجح في تفريغ المؤسسة العسكرية التركية من أي قيادات تمثل تحديا لحكمه (ولحكم من سيأتي من بعده بالتالي) وغير كثيرا في تركيبة مؤسسات الدولة التركية لصالح “أهله وعشيرته”، لكن ظلت هناك قوى معارضة تمثل طيفا مهما في الحياة السياسية التركية. ومع أن فترة الرواج الاقتصادي في السنوات الأولى من حكم اردوغان ساعدت في “تمكين” الرجل وحزبه من الحياة العامة في تركيا إلا أن الطبيعة الانتهازية والجشعة (اقتصاديا وسياسيا) لقوى الإسلام السياسي ساهمت في تفشي نوع من الفساد الاقتصادي/السياسي أبقى على ذخيرة مهمة لقوى المعارضة. ناهيك عن أن هناك معارضة تقليدية للمؤسسة التركية بشكل عام لم يستطع اردوغان احتواءها بشعارات الدين السياسي (كالأكراد والأقليات الأخرى مثلا).
لهذا، حرص اردوغان ـ مستغلا محاولة الانقلاب الفاشلة على حكمه ـ على تعديل طريقة الحكم في تركيا بتعزيز سلطات رئيس الجمهورية لتجعل منصبه تنفيذيا بالأساس على حساب مهام الحكومة. وذلك أيضا من التغييرات التي هدف من ورائها لتعزيز قبضته على مقاليد الحكم، لكنها قد تفيد غيره ممن سيأتي بعده ما لم يقم أحد بإعادة نظام الحكم إلى عهده السابق قبل تعديلات اردوغان. وهناك الكثير من الإجراءات التي ربما لا يتمكن الرجل من الاستفادة منها بالشكل الذي أمله حين قام بها، خصوصا وأنه ليس مؤكدا أن حزبه سيفوز في انتخابات عامة مقبلة. وإن ظلت التبعة الأكبر والأخطر لسياسات اردوغان على مدى أكثر من عقد ونصف هي تبعة الاقتصاد. صحيح أن إصلاحاته مكنت تركيا من تجاوز انهيار وشيك في السنوات الأولى من القرن، بل إن الاقتصاد التركي كان من بين أفضل من تفادوا التأثيرات الكارثية للأزمة العالمية في 2008/2009، لكن ذلك جاء نتيجة إجراءات يصعب النكوص عنها وبعضها يتعلق بأصول تركيا التي يكاد يكون من شبه المستحيل استعادتها ممن حصلوا عليها.
وفي السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ ما بعد الأزمة المالية العالمية (ولنقل من بداية العقد الحلي الذي كاد ينتهي) أخذ الاقتصاد في التراجع عن فورته الهائلة في السنوات السابقة. ومع التراجع، تكشف الفساد المرتبط بمن حول الرئيس وحزبه وتراجعت شعبية “الزعيم” نتيجة اقتراب فضائح الفساد من دائرته الضيقة. كان اردوغان حريصا على الاستحواذ على الإعلام، إما بتعيين رجاله على رأس الحكومي منه أو شراء أعوانه للإعلام الخاص بطرق لم تخل من الابتزاز. مع ذلك، ظلت هناك أصوات قليلة تكشف السلبيات التي رافقت تحول الرجل إلى “زعامة مطلقة” حتى أن قيادات حزبه التقليديين أخذوا في الانفضاض من حوله. وأصبح الرئيس لا يستمع إلا لنفر قليل من خلصائه (الذين في الأغلب يسمعونه ما يطرب أذنيه).
توازى مع تعاظم تضخم ذات الرجل تجاه نحو الحد من تحوله إلى (شعبوي ديني)، ونما ذلك داخل حزبه العدالة والتنمية بالقدر نفسه كما بين المعارضة. وهكذا، أراد الرئيس فوز حزبه برئاسة بلدية اسطنبول بأي شكل، ووضع كل رهانه على ذلك كاختبار لنهجه وسياسته. وجاءت النتيجة لتثبت أن اتجاه الخوف من منحى الرجل الأوحد ينمو ويزداد. وإذا كانت كتلة التأييد التقليدية لاردوغان هي في الريف المتدين، فإن الحضر لم يكن ضده وإن كان تأييده له أقل. أما الآن وقد ظهر أن الحاضرة الأكبر في الجمهورية التركية (مدينة اسطنبول) صوتت ضده فإن ذلك التأييد التقليدي في الريف متراجع على أقل تقدير. ومن السهل الآن إذا أجريت انتخابات عامة أن يخسرها اردوغان وتفوز بها المعارضة. تلك العنجهية السياسية التي جعلت الرجل يستميت على بلدية اسطنبول أضرت بشرعيته بشكل لا يمكن تداركه. وكما كانت اسطنبول بداية الشرعية السياسية لاردوغان، حين فاز برئاسة بلديتها عام 1994، تكون أيضا بداية نهاية تلك الشرعية وربع قرن من “تركيا اردوغان” ـ إذا جاز التعبير.

إلى الأعلى