الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. إنه عصر التدخلات لصيانة الفوضى وحمايتها

رأي الوطن .. إنه عصر التدخلات لصيانة الفوضى وحمايتها

عندما تطير طائرة غريبة عن الثرى السوري تتبعثر الأفكار، وتزداد كراهية الأشياء وتشتد، فليس هنالك في هذا العالم المتقدم الذي يزيد وقاحة، سوى ان يخترع لعلة في وجوده سببا للتدخل في آخر مهتم بشؤون شعبه ومنكب على تنظيم ذاته، وحالم بغد وبمستقبل واعد.
من منظور ما نراه اليوم من هذا القبيل، اصبح لدينا كل الدلائل على ان دولا كبرى تخترع لنفسها اسلوبا ترى فيه الضرورة للتدخل في الآخر. فإذا ما تم اختراع تنظيم على سبيل المثال يدعى “داعش”، تتكون قبله فكرة تجعله رأس جسر للعبور إلى الهدف المراد. واذا كان هذا الهدف هو سوريا، فيكون الاجماع الدولي عليها ليس جديدا، ما يحصل اليوم هو جزء مكمل لما جرى اعتماده على الاراضي السورية منذ ان انطلقت اول رصاصة عدوة ارهابية على الاراضي السورية.
الحلم الاسرائيلي قديم العهد، الموقع الجيوسياسي لسوريا يجعل العين الاسرائيلية ساهرة، وحلم التدخل والمشاغلة قائم في كل لحظة، والاميركي والغربي عموما لا يريد بلدا كسوريا كاد بعد خمس سنوات من العام 2011 ان يصبح منتجا ومكتفيا ومصدرا وصانعا وله ثقافته الممانعة الحرة والمعتمدة منذ زمن بعيد، اضافة الى روح الاستقلال التي يتمتع بها. فهل تقبل الدولة العظمى ومعها الآخر الغربي الذي اخرج عنوة منها تقبل الهزيمة عن بعد بما وصلت إليه سوريا وبما هي واصلة ايضا. انها هزيمة لهذا الغربي ان يتقدم العربي وان يصبح له شأن وان يستقل وان يصل الريادة ويتعملق.
ثم تركيا، التي هي خط التماس لسوريا، تتحول من جارة هادئة صديقة إلى عدو متحرك لاعب مدرك لمخططه القديم الذي جاء توقيته في عرفه، فها هو يفتح الطرق وليس طريقا امام شتى الارهابيين لتدمير سوريا، وها هو يحتضن ويمول ويقدم ما يستطيع في تدمير جار لم يقم بأي سوء تجاهه بل كان علامة مضيئة في حياة حكمه.
اليوم تطير الطائرات وتغير على مواقع سورية وفي طيات كل منها مخاوف من ان يتحول التدخل الذي له بعده، الى تدخل ذي ابعاد مختلفة يكمن الشيطان في تفاصيله. اذن لن يتركوا قطرا عربيا الا ويسلموه لريحهم كي تعبث به، والتدخل لم يعد سرا او مخفيا، صار علانية وبطريقة متقدمة تلعب فيها الاهواء وتزنرها المصالح، المهم ان لا يبقى قطر عربي على هذه الخارطة الا ومسكون بالهوة بينه وبين التقدم العالمي، اضافة الى اضطرابه الذي تنبعث منه رائحة الفوضى التي رسمها الغرب وجاز تنفيذها حيث ما وقعت عينه على العرب.
بعد كل ما جرى خلال السنوات الاربع من عمر الفوضى العربية، تمكن الغرب من ان يجعل من تدخله في كل قطر عربي مادة حياته ووجوده، لقد اخترعت شتى الاساليب التي يسمح بها هذا الغرب لنفسه ان يتدخل ساعة يشاء، لقد اخترع ” داعش ” لهذه الغاية، كا اخترع قبلها كذبة أسلحة الدمار الشامل ونشر الحرية والديمقراطية، وغدا يخترع سببا اكثر غرابة من اجل تدخل مختلف ربما تصل إلى حد التصادم مع السيادة الوطنية، وهذا ما نفكر به ونخشاه، وتتحسب له سوريا الف حساب.
انه اذن عصر الفوضى المصنوعة، وعصر التدخل لصيانتها، وعصر الاقتراب من الخطوط الحمر التي تجعل الاحتكاك بالسيادة الوطنية أمرا قد يؤدي إلى نزاعات أكبر بكثير مما هو قائم.

إلى الأعلى