الأربعاء 3 مارس 2021 م - ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (11ـ12)

الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (11ـ12)

سعود بن علي الحارثي

ملقة:
أينما يمم المرء في أحضان هذا البلد، مدنه، حواضره، أقاليمه، قراه، معالمه، آثاره القديمة… يشتم عبير الحضارة العربية الإسلامية تتضوع مسكا من الأزقة والأسواق الشعبية والحارات القديمة والحدائق الغناء والمكتبات العامرة ومؤسسات التعليم المتنوعة… بالرغم من انقضاء خمسة قرون على انتزاع هذه الحواضر من خريطة العالم الإسلامي ولا تزال قصبة ملقا وقلعة جبل المنارة… نماذج تشهد على ازدهار الأندلس في العصر العربي الإسلامي والإصلاحات الواسعة التي تمت في مختلف المجالات، وقد بلغت هذه المدينة (قمة المجد والازدهار الحضاري في عصر الموحدين). وتستمد شهرتها في العصر الحديث كونها موطن الرسام الإسباني بابلوبيكاسو الذي ولد بها. وقد اجتزنا المسافة من إشبيلية إلى ملقة في حدود الساعتين لم نشعر بهما في طريق يخترق الحقول والمراعي والروابي الخضراء، وأحاديث شيقة تجمع بين الدعابة والأدب واستعراض أحداث التاريخ ودروسه والحاضر وتطوراته، فالانتقال من مدينة إلى أخرى بالسيارة في بلد كإسبانيا يقدم فرصة لاكتشاف ما تتميز به كل منطقة عن الأخرى وتعدد الثقافات والتعرف على المزيد من المواقع السياحية والتاريخية الجميلة والاستمتاع بجمال الطبيعة وتنوعها. المحطات الخدمية المتكاملة في الشوارع الرئيسة التي تربط بين المدن والقرى تقدم للمتنقلين فيها جميع الخدمات التي يحتاجون إليها من وجبات غذائية أساسية وخفيفة والقهوة والسلع الغذائية ودورات المياه والوقود… وتسهم في تنشيط السياحة والأسواق. العمارة في أوروبا فن وذوق وجمال وفخامة، وتعبر عن دلالات ومعانٍ في تصميمها وعمارتها وزخرفتها وتنتمي لعصر من العصور التاريخية وفن من الفنون، وحتى المباني الحديثة تحمل لمسات تصور وتعرض للغرض الذي صممت من أجله؛ إنها نموذج للتناسق والتجانس والتآلف وتبعث على الراحة، وتشكل الساحات ضمن الحي الصغير وفي الأسواق ومحاذاة الأماكن العامة ومركز المدينة والمقاهي المتناثرة فيها متنفسا للسكان والسياح ونقطة استقطاب ونشاط حقيقي للفعاليات الثقافية والعزف والرقص والمظاهر الشعبية، هذا النموذج للعمارة والأحياء يتكرر في كل مدن ودول أوروبا، وكذلك على مستوى إسبانيا في بلنسية، غرناطة، قرطبة، إشبيلية، ملقة… ومن جانب آخر ففي جميع المدن الأندلسية، القصور والقصبات والساحات والأسوار والحارات والأزقة القديمة التي أقامها المسلمون والمسيحيون واليهود، تعبر عن عصر فريد من التعايش والتسامح وممارسة وتطبيق القيم الإنسانية السامية تحت الحكم العربي ـ وهو ما لم تشهده أوروبا في تاريخها القديم ـ تحقيقا لرسالة الإسلام، ومن المؤسف أن الجهود والممارسات تواصلت على مدى الحقب التاريخية لمسح وطمس الآثار والوجود الإسلامي الذي أثبتت العقود والقرون والأزمنة بأنه أكثر عمقا وقوة وعظمة وفخامة من أن يزال من الخريطة الأوروبية بجرة قلم. منطقة القصبة في ملقة واحدة من الآثار اللافتة والمهمة التي يحج إليها السياح والباحثون والمولعون بالتاريخ والآثار الإسلامية لزيارتها ومشاهدة عظمة الإسلام وازدهار عصره في الأندلس، وتبرز عبقرية العرب في اختيار مواقع استراتيجية لبناء القلاع والحصون والقصور الملكية، فهي تشرف على المدينة من جانب وتكشف عن أية تحركات عسكرية معادية من الجانب الآخر، وتظهر حجم وقوة التحصينات وعمق الجدران، والقدرة على الصمود ومواجهة العدو لأطول فترة من الزمن. وما زال بعض أجزاء كاتدرائية ملقة في المدينة القديمة التي أقيمت على أنقاض الجامع تشير إلى خصائص العمارة العربية الإسلامية. هذه المدن الأندلسية الساكنة على تخوم عالمين لا تستطيع التحرر من أحدهما رغم البون الشاسع بين الماضي والحاضر، والتي تشربت حتى الثمالة ثقافتها العربية لأكثر من سبعة قرون، والقصور والآثار والحدائق والجداول المائية والدروب والأسواق والمعاهد والأرض التي احتضنتها… هل تعاني من وجع الحنين إلى الماضي؟ هل تشتاق إلى أصحابها الحقيقيين وملاكها الشرعيين وأحبابها الصادقين وعشاقها الغارقين حتى الثمالة وسلاطينها وقادتها العظام وشعرائها وأدبائها الذين تغنوا بطبيعتها المتفردة وصاغو شعرا وأدبا وفنا يفيض عشقا ويسيل طربا بحب الأندلس وطن الجمال والفن والإبداع وقيم التعايش التي تأصلت بفضل الإسلام؟
الأرض قد لبست رداء أخضرا * والطل ينثر في رباها جوهرا
هاجت فخلت الزهر كافورا بها * وحسبت فيها الترب مسكا أذفرا
وكأن سوسنها يصافح وردها * ثغر يقبل منه خمرا أحمرا
والنهر ما بين الرياض تخاله * سيفا تعلق في نجاد أخضرا
هل تسح هذه المباني ذات القباب الملتحفة رداء الإسلام الذي لا تخطئه العين والتي حولت قهرا وقسرا إلى غير الغرض الذي أنشئت من أجله دموعها اشتياقا وحنينا إلى صوت الأذان الذي طالما صدحت بها مآذنها فتسكن به قلوب الأندلسيين وتطمئن وتخشع وتتجلى في ملكوت الله أرواح البشر والحيوان والطير؟ هل تعاني من الوحدة والوجد بفقدانها لحلقات العلم وتلاوة كتاب الله وصفوف عباد الرحمن الذين يصلون ليلهم بنهارهم وهم منشغلون منصرفون إلى العبادة والدعاء والتهجد والصلاة في زواياها ومحاريبها وساحاتها الرحبة الواسعة؟ أليست المدن ومعالمها وبساتينها وأزقتها وأنهارها… تنبض بالحياة والنشاط وتفيض مشاعرها وأحاسيسها رقة وحنينا واشتياقا وحبا وعاطفة تتشاركها مع الشعراء الذين يبادلونها ودا بود وبوحا متبادلا وعواطف تنقلها القلوب والأفكار والكلمات عبر الأزمنة والأمكنة؟ كم من الشخصيات العربية التي تحلت بالمهابة والوقار والإباء وأبدعت في مختلف الفنون وكانت نموذجا يقتدى به في التضحية والإثار والكرم والشجاعة والقيادة وقول الحق والانتصار على المعيقات وتحقيق المعجزات… سارت على هذه الدروب والأزقة، وتحلقت في هذه الساحات لطلب العلم وتقديمه فازدهر العالم وتقدم وسار على طريق مناهجهم ونظرياتهم ودراساتهم وكتاباتهم وعلومهم واجتهاداتهم وحواراتهم وعزائمهم التي تفل الجبال، وصدحت حناجر شعرائها وأدبائها وخطبائها في هذه القصور بملاحم الشعر وفنونه وآدابه، وأقامت بملكاتها وإمكاناتها وقدراتها الفنية وإبداعاتها الهندسية هذه القصور المهيبة؟ ألم تولد هذه المدن من رحم العبقرية العربية المشبعة بالتعاليم والمبادئ والمثل الإسلامية وعظمة رسالته؟ ألم تشب وتنمُ وتزدهر على يد وتحت رعاية وفكر هذه الشخصيات الفذة التي خلد التاريخ اسمها وظلت شاهدة على أن العقل العربي لا يقل شأنا ومنزلة وعمقا وعطاء عن تلك التي لدى الأمم والشعوب الأخرى عندما تتوافر الفرص وتؤمن الأنظمة السياسية بقيمة الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية والعامل الأساسي لتحقيق النهضة والازدهار والتقدم والرقي؟ وهو ما ينسف كل نظرية ورأي وقول وتبرير سخيف يعتبر العقل العربي أقل تحضرا وعقلنة وبأنه يعاني من التخلف والقصور والتعصب وأزمات تستعصي على الشفاء، أو ليس الوفاء شيمة من شيم الأرض ممثلة في مدنها وحواضرها وأريافها فتظل مرتبطة متواصلة معتزة تعلن بلسان فصيح عن أصالتها وانتمائها كما هو شأن قرطبة وغرناطة وإشبيلية ومرسيليا… بل إنها تتقدم الإنسان في أواصر الوفاء وقيم الأصالة والاعتزاز بالماضي…؟ كيف لي أن أعبر عن مشاعري المتناقضة والمتداخلة والمتأرجحة بين سعادة تحتويني في كل جزء من كياني وأنا أسابق الزمن للفوز بملامسة الأحجار والأبواب والنقوش الآسرة التي تأخذ بشغاف القلوب والسير في الأسواق والحارات والأزقة التي تنفث روائح الماضي الزكية وتشي بالعصر العربي الذهبي ومشاهدة أكبر قدر من القصور والمعالم الحضارية التي خلفها العرب فانتصرت على عوائد الزمن وظلت شاهدة على حقبة مشعة من حقب التاريخين العربي والإسلامي اللذين لا يمكن فصلهما عن بعضهما؟ وبين ألم وحزن على مرحلة أخرى من هذا التاريخ جار فيه علينا الزمان ـ ولا يزال حتى اليوم يكرر أيامه وساعاته فنردد معه (ما أشبه اليوم بالبارحة) ـ انتزعت فيها هذه البقعة الخضراء من الدولة الإسلامية فتواصل النزيف وتراكمت الخسائر؟
أخذ الطريق من مركز مدينة ملقة حتى قرية (نيرخا)، حوالي أربعين دقيقة، تمتد بين الحدائق الغناء، والقرى الريفية المعلقة في السفوح والقمم، والجداول التي تصب في شواطئ البحر الأبيض المتوسط التي نطل عليها طوال مسيرنا إلى كهف (نيرخا)، لم أر في الكهف ما يميزه عن كهف (الهوتة)، والأخرى المتناثرة في ربوع السلطنة والذي يستدعي تتابع هذه الأفواج السياحية التي تقف طوابير أمام كشك التذاكر، وتقف مرة أخرى أمام المدخل الرئيسي للكهف انتظارا لمغادرة السابقين إليه واتقاء الازدحام، السر هنا أن القائمين على السياحة أتقنوا صناعتها وفهموا أسرارها واشتغلوا عليها ونجحو في تجويد الخدمات وإعداد حزمة من الخيارات التي تفي بمتطلبات واحتياجات السائح وترضي ميوله ورغباته، وعلى سبيل المثال تم اكتشاف هذا الكهف في ١٩٥٩م، وأصبح بعد سنة جاهزا ومعدا بالخدمات لاستقبال السياح، لم يتطلب الأمر خطة ولا استراتيجية ولا رؤية سياحية مستقبلية. الوعكة الصحية التي أصابتني في ملقة في ذات اليوم الذي نشرت فيه هذه الصحيفة الغراء مقالي (يهدر الإنسان سعادته في البحث عنها)، أجابتني على الكثير من الأسئلة التي طرحها المقال في أن العافية هي سر السعادة وبافتقادها نفتقد جمال وبهاء وحسن وروعة الحياة.

إلى الأعلى