Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

في العمق: المواطنة وقواعد السلوك البرلماني

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية العلاقة بين المواطنة كقواعد حاكمة للسلوك الوطني الأصيل وبين قواعد العمل البرلماني، الذي يقوم على جملة من المشتركات المفاهيمية التي ترتكز عليها المواطنة وينطلق منها عمل المجالس البرلمانية مثل مفاهيم: الشورى والحقوق والواجبات والشراكة والمسؤولية والديمقراطية والدبلوماسية والعالمية والحوار وإبداء الرأي والتكامل، وغيرها من المشتركات القيمية والأخلاقية والاجتماعية التي تؤسس لبناء مجتمع المواطنة وتعميق روح التعاون والمسؤولية فيه، وهي في الأساس عناصر أساسية لتشكيل المواطنة، فتؤسس بذلك أخلاقيات المواطن الإنسان الواعي لمقدرات وطنه، ومن يمتلك أدوات المحافظة عليه، والمساهمة الواعية في نهضته وتقدمه.
لقد قرر النظام الأساسي للدولة في مبادئه أن نظام الحكم في عمان يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وللمواطنين حق المشاركة في رسم السياسة العامة للدولة من خلال ممثلي مجلس الشورى، كما كفل النظام العديد من الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تشكل ضمانة أساسية للعيش الكريم والأمن في ظل دولة حديثة تؤمن بالعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة، وفي مقابل الحقوق والحريات التي كفلها النظام الأساسي للدولة للمواطنين تضمن العديد من الواجبات التي يجب القيام بها في سبيل الإسهام في خدمة الوطن كواجب الدفاع عنه والحفاظ على الوحدة الوطنية وصيانة أسراره واحترام القوانين والنظام العام، لذلك أطّر النظام الأساسي للدولة مفاهيم المواطنة العمانية وحدد مبادئها وهويتها وغاياتها وبيّن القوانين التي تحفظها، ورسم الموجهات التنظيمية والأطر التشريعية والإجراءات التنفيذية ومنظومة القيم والأخلاقيات التي ترعى مسيرتها، في تفردها وأصالتها وما تحمله من أبعاد وطنية وحضارية عالمية.
لذلك تمثّلت مواطنة البرلمان في جملة المبادئ والأخلاقيات والقيم والمفاهيم الوطنية التي التزم بها البرلمان كسلوك أصيل وإجراءات عمل واضحة في كل منصات العمل البرلماني وقواعده المعروفة، وعبر التزامه بالعمل على تنفيذ المبادئ العامة للنظام الأساسي للدولة (101/96) الذي حدد في المادة (58) مكررا، اختصاصات وآليات عمل مجلس عمان في تأطير ملامح الإنجاز وأجندة العمل على مستوى البنية التنظيمية والهيكلية للمجالس البرلمانية والغايات والأهداف والأولويات والسياسات العامة التي تعمل على تحقيقها أو من خلال اختصاصاتها ومهام عملها التشريعية والرقابية وغيرها، أو كذلك على مستوى السلوك الشخصي لأعضاء المجلسين وآلية الترشيح الداخلية والحقوق والواجبات والمحظورات والحصانة والمساءلة وغيرها، وفق فلسفة عمل واضحة وإجراءات برلمانية دقيقة، تتسم بالتنظيم والاتساع في البدائل والتنوع في الأدوات وتتخذ صفة العمق والعالمية وتتناغم مع الهوية العمانية ومنظومة القيم والعادات والأعراف والتقاليد الأصيلة في آلية العمل ومسارات الإنجاز، عززتها جملة اللوائح والأنظمة وأدلة العمل الداخلية واللائحة التنظيمية لشؤون موظفي المجلسين، بما يسهم في تحقيق تحول نوعي في السلوك البرلماني، ووجه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في أكثر من خطاب، أعضاء المجلسين إلى التزام محددات هذا السلوك ومعايير الأداء التي ينبغي أن تكون حاضرة في شخص الأعضاء وسلوكهم الوظيفي بما ينعكس على كفاءة تحقيق رسالتهم الوطنية وتقدير المجتمع ومؤسسات الدولة لهم وثقتهم فيما يرسمونه من خطط ويقرونه من أحكام، بمهنية عالية وقراءة فاحصة في التعاطي مع مختلف الآراء ووجهات النظر والنقاشات في تناول مشروعات القوانين مراجعة واقتراحا وتطويرا، أو الخطة الخمسية والميزانية السنوية وتقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة في ظل ما تحتكم إليه من قواعد وأصول وأسس وتستشرفه من موجهات أداء ومنهجيات عمل تتسم بالتفرد والخصوصية والتنوع والمعيارية.
وبالتالي فإن إجراءات العمل البرلماني والخطوات التي يمر بها والمعطيات التي يعمل في إطارها والاستراتيجيات البرلمانية التي يُقرها، تعد ممارسة أصيلة وتعبيرا دقيقا عن منظومة المواطنة في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية، وما يعنيه ذلك من تناغم بين قواعد العمل البرلماني وقواعد المواطنة ومرتكزاتها، لما يمثله العمل البرلماني من أنموذج عملي واستراتيجيات أداء وقواعد تترجم الفهم الصحيح للمواطنة في تأطير موقع السلطة التشريعية في بناء المجتمع وتطوير الأساليب الداعمة لتأصيل قيم المواطنة والهوية والولاء وتعزيز الانتماء الوطني، آخذا في الاعتبار جملة الاختصاصات والآليات والتوجهات والاستراتيجيات والمفاهيم التي التزمتها المجالس البرلمانية (الدولة والشورى) في تحقيق رسالتها الوطنية والموجهات التي اعتمدها في أداء عملها وفق النظام الأساسي للدولة، وحزمة الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلس عمان في المرسوم السلطاني (99/2011). وجهودها الساعية إلى تعزيز الهوية الوطنية عبر تعميق قيم المواطنة والانتماء الوطني لدى الشباب، وخلق الوعي المستنير لديهم، والمشاركة في رصد القضايا والمشكلات المحلية والعالمية، ووضع السياسات والخطط لتجاوزها ما أمكن، والذي يعد صيغة متكاملة المعالم لتعميق الهوية الوطنية والاهتمام بها في هذه المرحلة على وجه الخصوص، إذ كان من بين غايات الثنائية البرلمانية تعزيز وترسيخ منهج الشورى وتأصيل نظامها وبناء مجتمع التضامن والتكامل الذي يعزز الشعور بالانتماء ويمنح الرغبة في العيش المشترك وقبول الآخر لبناء مجتمع قادر على المساهمة الفعالة في تحقيق ذاته وتطوير موارده في ظل حرص على تحقيق مصالح الوطن والمواطن.
من هنا فإن تعددية الأدوات وتنوعها واكتمال بنية العمل الداخلية للمجلسين، أوجد شعورا إيجابيا بما تمثله من ثقل في منظومة العمل الوطني، وشكّلت المفاهيم البرلمانية وإجراءات العمل الداخلية إطارا مرجعيا محكما في نقل العمل البرلماني إلى واقع الممارسة الموجهة لبناء روح المواطنة وتأصيل هوية المواطن، وعبر الجلسات العامة والمشتركة والتزامها قيم الشفافية والوضوح ومعايير المناقشة وأصول طلب الكلمة، وأساسيات النقاش ووضوح جدول الأعمال، حكمة في إبراز نهج التوازن في بناء الرأي والرأي الآخر وتداول الأفكار، والمشاركة بالفكر المستنير والرأي البناء في اقتراح الأحكام والسياسات الداعمة للعمل الوطني، وهي مفردات باتت تشكل أبجديات المواطنة والهوية العمانية القائمة على التسامح والوئام والحوار والشراكة، بما تعكسه من مصداقية الهدف، ومنهجية الفعل، ودقة التطبيق للأدوات، ووضوح معالم العمل في تنفيذ الاختصاصات، عززت داخليا: من دور هذه المجالس البرلمانية المستمر في كافة خطوط الإنتاج وقطاعات العمل الوطني في الثقافة والإعلام والسياحة والاقتصاد والاستثمار والمجالات القانونية والاجتماعية والتعليمية والبحثية وغيرها، وخارجيا: شكّلت المجالس البرلمانية دورا محوريا في تأكيد ما تدعو إليه من قيم حضارية عالمية، وشراكات دولية، وأنماط تفاعل مبتكرة مستفيدة من المرونة والعمق والاتساع الذي تتسم به مفاهيم العمل البرلماني، في تأطير منهجي للدبلوماسية البرلمانية ولجان الصداقة مع البرلمانات الدولية والإقليمية لدعم مسيرة التعاون الدولي المشترك بين السلطنة ودول العالم المختلفة في حمل رسالة عمان: السلام والاستقرار، والتعايش والحوار، والتكامل والوئام، بما يكفل تبادل الآراء، وتنسيق الأنشطة، وبلورة موحدة للمواقف، وتعزيز جهود التعاون والتنسيق والتشاور في العمل البرلماني، ونسج قواعد وأخلاقيات العلاقات الدولية، وتقريب وجهات النظر، بالشكل الذي يؤسس لمرحلة متقدمة من الثقة وتبادل المنافع، وإعادة ترتيب أوراق العالم ومساره تدعيما للأمن والسلم وتحقيقا للمصالح المشتركة، وتعزيزا لمسارات الحوار الثقافي والتواصل الحضاري، وترسيخا للهويات والاهتمام بقضايا الشباب وحقوق الإنسان والحريات، في ظلال منهجية التفاوض والتحاور والإقناع واحتواء المواقف، وتوظيف الفرص وتوجيهها، بما ينعكس إيجابا على صورة عملها في المجتمع وآلية تحقيقها لأدوارها التشريعية والرقابية، بروح الفريق الواحد، ونهج الحكمة، وحس الوطن، وسمو المبدأ، وعلو الهمة، وهدوء الشخصية.


تاريخ النشر: 30 يونيو,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/338161

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014