الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سرطان أوباما

سرطان أوباما

كاظم الموسوي

خالف الرئيس الأميركي باراك أوباما وعوده الانتخابية التي جاء بها وانتخب على أساسها وشعاره الرئيس فيها “التغيير”، وعناوينه المتفرعة عنه في إشاعة السلم والأمن وإنهاء الحروب الخارجية التي كانت من أسباب تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما، ونقض أطروحات/ حماقات سلفه الرئيس بوش الثاني وسياساته العدوانية. وخالف أيضا هدف منحه جائزة نوبل للسلام، حين انتهى الأمر به الآن إلى قبول تشكيل أحلاف غدر وغزو وحروب وقيادته لها من البيت الأبيض إلى مجلس الأمن الدولي إلى أجهزة المخابرات الأميركية والدولية ودق طبول الحرب وإشعال الحرائق في أكثر من منطقة على المعمورة. هذه المخالفات ليست اضطرارية أو تكتيكية، بل هي كما يبدو منها أنها استراتيجية وتأكيد على امتثاله إلى طبيعة الإمبريالية الأميركية وقوتها الرئيسية التي تقودها المجمعات الصناعية والعسكرية والنفطية واللوبيات الصهيو غربية. وأن الرئيس الأميركي لم يختلف عن أسلافه بشيء غير لونه، ولم تنفعه قدراته الخطابية ولا شهادته القانونية ومحاولاته في إنقاذ الرأسمالية في بلاده وانعكاساتها دوليا وتداعياتها داخليا وخارجيا. (ينبغي المطالبة بسحب جائزة نوبل منه!). وليس أخيرا تصريحاته عن التنظيم الإرهابي الذي اختصر واشتهر إعلاميا بداعش فقد اعتبره سرطانا خطيرا يعمل هو وإدارته وحلفاؤه من أجل القضاء عليه، لا سيما بعد صور ذبح الصحفيين الأميركيين ونشرها على اليوتيوب ووسائل الإعلام الأخرى. وكأن الرئيس الأميركي لم يعرف ما قامت به أجهزته وتابعوه في هذه القضية، رغم اعترافه أن الأجهزة الأمنية لم تقدر جيدا قوة هذا المولود الجديد لها. حيث تفضح أعمال هذا التنظيم تاريخ السياسات الغربية عموما والأميركية خصوصا في الغزو والعدوان والحروب على الشعوب والبلدان في أركان الكرة الأرضية.
تعهد الرئيس الأميركي في مؤتمر للرابطة الأميركية لقدامى المحاربين في إحدى المدن الأميركية بـ”ملاحقة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، قتلة الصحافي الأميركي جيمس فولي”، مشيرا إلى أن “استئصال سرطان مثل “الدولة الإسلامية” (داعش)، لن يكون سهلا ولن يكون سريعا”، وأضاف: “أميركا لا تنسى، باعنا طويل ونحن نتحلى بالصبر، والعدالة ستطبق”. وكرر مثل هذا التعهد بعد مقتل الصحفي الثاني وكذلك الضحايا الآخرين، لا سيما البريطاني والفرنسي. وتوقع مراقبون أن يكون الضحية القادم ألماني وبعده أسترالي وهكذا ينكشف بعض من الأسرار وراء هذه الطريقة من الذبح والإعلان. والمشاركة الغربية ليست توافقات سياسية وحسب وإنما تدخلات عسكرية ومشاريع تقسيم الغنائم من كل ما يخطط وينتج بعد هذه المشاركات. التي تشكل داعش بها حلقة من حلقات الهجمة الغربية الإمبريالية، لزعزعة الاستقرار في المنطقة وتمهيد السبيل إلى تنفيذ المخططات الاستعمارية، وتأتي المشاركات ضمن الحلقة التالية لها، وضمن مسار الهجمة المتواصلة والتي تُبدل جلدها كلما تعترضها عقبات الشعوب وكفاح حركة تحررها.
والمضحك حقا أن الرئيس الأميركي أوباما اعترف بأن بلاده أساءت تقدير خطورة تنظيم “الدولة الإسلامية” ولم تتوقع أن يؤدي تدهور الوضع في سوريا إلى تسهيل ظهور مجموعات متطرفة خطيرة على غرار التنظيم. وهذا الاعتراف كما يظهر محاولة منه إبعاد دور بلاده من التحضير والإعداد والتجهيز والتمويل والإشراف وفتح الطرق والتدريب وبناء المقرات والمعسكرات على الحدود التركية العربية، والأردن والكيان الصهيوني، ودول أخرى لم تعد تخفي أدوارها وأعمالها وأموالها وإعلامها ومرتزقتها.
يضاف إلى كل ما سبق إقرار أوباما في مقابلة تلفزيونية (28 أيلول/ سبتمبر)، بأن مسلحي تنظيم القاعدة القدامى الذين طردتهم الولايات المتحدة والقوات المحلية من العراق، تمكنوا من التجمع في سوريا وشكلوا “الدولة الإسلامية”. وذكر أن “رئيس أجهزة المخابرات جيم كلابر أقر أنهم لم يحسنوا تقدير ما جرى في سوريا”، كما أشار إلى أن واشنطن قد أساءت كذلك بتقدير قوة الجيش العراقي الذي دربته الولايات المتحدة في قتال المسلحين وحده. ورأى أوباما أن مسؤولي الدعاية في تنظيم “الدولة الاسلامية” أصبحوا “ماهرين للغاية” في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، وتمكنوا من استقطاب مجندين جدد من أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا والدول الإسلامية. فهل هناك أكثر من هذا الإقرار الرسمي وعلى لسان الرئيس نفسه؟! لم يكتفِ الرئيس الأميركي بوصف داعش بالسرطان، بل واصل في تشخيص المرض وخطورته، وخطط لمواجهته والعمل على التخلص منه، لأنه خرج عن المخططات الموضوعة للمنطقة، كما هو حال أساسه القاعدة وزعيمها ابن لادن. ولكن الجديد في الأمر هو توسيع هذه الخطط إلى إعادة إحياء لأحلاف استعمارية صُنعت في المنطقة وأفشلتها حركات التحرر الوطني للشعوب العربية وجيرانها.
إذن أرادت الولايات المتحدة علاج المرض الذي شكل حلقة في مخططاتها بتوسيع دائرة المشاركة فيه. وبدأتها بشن غارات جوية ضد أهداف لتنظيم داعش في العراق وسوريا. ونجحت في توزيع تكاليف الحلقة على الجميع، بما فيه الدول العربية الراغبة أكثر من غيرها. وأعلنت كلفتها اليومية بين 7 إلى 10 ملايين دولار، أو أكثر أحيانا، وأنها ستستمر لسنوات. وكما هو معلوم أن هذه الغارات ليست قادرة على التخلص من المرض، وأن تمدده أوسع من تلك الغارات وأقدر على التملص منها. مما يعني أن وراء هذه البدايات خططا أخرى، تستدعي العمل على الأرض، وترسيم حلقة أخرى أيضا من تلك الهجمة. وهذا ما قاله زعيم الأغلبية في مجلس النواب الأميركي جون بونر إن “الولايات المتحدة قد لا يكون لديها أي خيار آخر سوى إرسال قوات برية أميركية، إذا فشلت الغارات الجوية التي تقودها أميركا والعمليات العسكرية للقوات العراقية والكردية (!) على الأرض القيام إضافة إلى تدريب المعارضين السوريين (!) لتحقيق أهدافها”. بينما لا يرغب الرئيس بالمشاركة البرية، حسب تصريحاته.
سرطان أوباما حلقة من تلك الحلقات الخطيرة التي يوضح نوايا وأهداف الإمبريالية الغربية ودعاتها. وكل ما صرح به أوباما حوله لا يغيّر من المخططات الموضوعة، غير إيهام من تورط معه فيها.. وتبقى الحسابات النهائية خسارة المصالح الوطنية والإيغال في وهم الأحلاف الغادرة.

إلى الأعلى