الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / 41 عامًا على نصر أكتوبر

41 عامًا على نصر أكتوبر

محمد عبد الصادق

رغم مرور 41 عامًا على حرب أكتوبر 1973م, ما زالت هناك أحداث تتكشف, وحكايات تروى, وشهود يفرغون ما في جعبتهم قبل أن يغادروا. ورغم محاولات إسرائيل المستمرة للتقليل من قيمة انتصار أكتوبر, مرة بتسريب رواية الاتفاق الذي تم بين كيسنجر والسادات على ضرورة تحريك الوضع العسكري بعبور القوات المصرية وحصولها على موطئ قدم على الضفة الشرقية لقناة السويس ليسهل بعد ذلك إقناع الإسرائيليين بإرجاع سيناء للمصريين مقابل السلام، وهو ما حدث بالفعل بعد انتهاء الحرب بسنوات قليلة؛ وكأن حرب أكتوبر مسرحية متفق عليها, ومرة بزعمهم الفوز بالحرب أو على الأقل التعادل: المصريون عبروا القناة من الغرب للشرق وإسرائيل نجحت في العبور من الشرق للغرب بعد نجاح مغامرة أرييل شارون في عبور القناة بلواء مدرع مستغلا الثغرة التي اكتشفتها الأقمار الاصطناعية الأميركية بين الجيشين المصريين الثاني والثالث.
ولكن مع مرور الوقت تتكشف الحقيقة وتتضح هزيمة إسرائيل باعتراف قادتها وكان آخرهم الرئيس الإسرائيلي الجديد رؤوفين ريفلين الذي اعترف بالهزيمة ودعا لاستخلاص الدروس والعبر لعدم تكرارها, كما أن لجنة التحقيق التي تم تشكيلها عقب انتهاء الحرب للوقوف على أسباب إخفاق إسرائيل (أجرانات) ـ أقرت بالهزيمة وأدانت رئيسة الوزراء جولدا مائير ووزير دفاعها موشى ديان, ورئيس الأركان ديفيد إليعازر, ورئيس جهاز المخابرات إيلي زعيرا, وانتهى الأمر بإجبارهم على الاستقالة واعتزالهم العمل السياسي رغم كل ما قدموه لدولة إسرائيل, واتهمتهم اللجنة بالإهمال والتقصير, والتسبب في إعطاء المصريين زمام المبادرة وبدء الحرب بعدما انطلت عليهم خطة الخداع الاستراتيجي التي وضعها ونفذها المصريون بدقة وحرفية شديدة.
وبمناسبة الذكرى الـ41 لحرب أكتوبر أجرت صحيفة يديعوت أحرونوت لقاءً مطولًا مع إيلي زعيرا رئيس المخابرات الإسرائيلية “أمان” إبان حرب أكتوبر 1973؛ والذي اعترف بالهزيمة, وأنحى باللائمة على القيادة السياسية والعسكرية والمخابرات, وأكد أنهم ارتكبوا أكثر من عشرين خطأ استراتيجيا كانت السبب في خسارة إسرائيل لحرب أكتوبر, وأكد زعيرا الذي أقيل من منصبه بعد فشل جهازه في توقع الهجوم العربي أن الأخطاء التي ارتكبت في الحرب لا تزال موجودة حتى الآن, وقال إننا لم نفهم العرب مطلقًا, وكنت مخطئًا عندما اعتقدت أن خبراء الموساد يفهمونهم, ووصف زعيرا الاجتماعات التي جمعته بجولدا مائير ووزير الدفاع موشى ديان قبل حرب أكتوبر بأنها كانت عبارة عن حماقات فيما يتعلق بالعرب؛ فكانت جولدا مائير ترفض تصديق تصريحات القيادة المصرية عن ضرورة عبور قناة السويس, واقتحام خط بارليف وكانت تعتبرها من قبيل الاستهلاك المحلي, واعترف بأنه تركها مع أوهامها ولم يحاول تصحيح أخطائها, لعدم وجود شواهد مادية تدل على قدرة المصريين على الحرب.
واعترف زعيرا بأنه لم يكن الوحيد داخل الجهاز الذي أخطأ في عدم التحذير من نشوب الحرب, وقال: رأيت في إبريل 1973 صورًا لعمليات صيانة في المطارات المصرية, وأخبرتني المخابرات الجوية الإسرائيلية أن هذه المطارات تحتاج إلى شهور حتى تصبح جاهزة للتشغيل العملياتي, وهو نفس ما كان يراه رجال شعبة المخابرات العسكرية.
وقال زعيرا إنه لو كان حذر الجيش من نشوب الحرب ولم تندلع لكانوا اتهموه بالغباء, كما حدث مع رئيسه تسفي زامير الذي توقع نشوب الحرب في مايو 1973, ورفعت إسرائيل حالة الطوارئ القصوى, واستدعت قوات الاحتياط, وحركت جيوشها, وطائراتها, ثم تبين قيام المصريين بمناورة روتينية محدودة, وتم محاسبة زامير على تسببه في إهدار ملايين الشيكلات بسبب جلبه معلومات مغلوطة, وعن ذلك يقول زعيرا: كانت هناك مئات المعلومات تؤكد قرب الحرب, ولكن كان في المقابل آلاف المعلومات التي تقول إنها لن تندلع.
وقال زعيرا إن المصريين يستحقون نيشانًا لنجاحهم في خطة الخداع الاستراتيجي وإخفاء كل ما يشير إلى استعدادهم للحرب, وأن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه إسرائيل هو فشلها في تحديد هدف المصريين من وراء دخول الحرب؛ هل هو الوصول لعمق سيناء, وهذا أمر يصعب تحقيقه, أم هل هدفهم من الحرب عبور قناة السويس والتوغل لبضعة كيلو مترات وهم لا يريدون فعله خوفًا من تكبدهم قدرا كبيرا من الخسائر؟
وأوضح زعيرا أن المخابرات الإسرائيلية كانت تعتقد أن المصريين مهتمون بالوصول لخط المضايق في وسط سيناء, وهذا أمر صعب لأنه يحتاج لخمسة أسراب جوية قتالية وأسلحة أخرى لم يكن المصريون يمتلكونها, مضيفًا أن خطط المصريين وصلت المخابرات العسكرية, لكننا لم نعرف أن هذه الخطط كانت كاذبة ومضللة, وأن ما كان يدور على الأرض شيء آخر فوجئنا به في 6 أكتوبر 1973.
وأهمية خطة الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر ترجع لإيمان السادات والقادة العسكريين بأن التوازن العسكري مع إسرائيل غير موجود، وأن الميزان يميل بقوة لصالح إسرائيل التي أمدتها أميركا بأحدث الأسلحة والمعدات التكنولوجية التي تتيح لها رصد كافة تحركات الجيش المصري على الجبهة أو في الداخل, وتمكنها من إجهاض أي محاولة للعبور للضفة الشرقية لقناة السويس، كما أن وجود المانع المائي وخط بارليف كان يزيد من صعوبة المهمة على المصريين.
وكلف السادات المخابرات العامة بوضع خطة الخداع الاستراتيجي بالتعاون مع المخابرات الحربية, وكافة الجهات المعنية في الدولة سواء كانت عسكرية أو مدنية أو دبلوماسية.
وكانت هناك إجراءات تتعلق بالجبهة الداخلية مثل توفير مخزون استراتيجي من القمح يكفي 6 أشهر لصعوبة استيراده حال نشوب الحرب, وقامت المخابرات بتسريب معلومات بأن الأمطار غمرت صوامع القمح وأتلفت ما بها وتحول الأمر وقتها لفضيحة إعلامية, واستوردت مصر على أثرها كميات كبيرة من القمح.
إخلاء المستشفيات المدنية تحسبًا للطوارئ دون أن يكون السبب المعلن هو الحرب, وكانت الحيلة إعلان اكتشاف تلوث أحد المستشفيات بميكروب “التيتانوس” وتم إخلاؤه من المرضى لإجراء عمليات التطهير, ونشرت جريدة الأهرام الحكومية الخبر معربة عن مخاوفها من أن يمتد التلوث لمستشفيات أخرى, وبالفعل صدر قرار بإجراء تفتيش على جميع المستشفيات بالقاهرة, ومدن القناة, ولم يأتِ شهر أكتوبر حتى كان العدد المطلوب من المستشفيات قد تم إخلاؤه.
توفير مصابيح تعمل بالشحن في الأسواق لاستخدامها خلال انقطاع الكهرباء وقت الغارات دون إثارة انتباه إسرائيل, فتم التنسيق مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من هذه المصابيح وبمجرد وصول الشحنة كان رجال حرس الحدود في الانتظار, واستولوا عليها كاملة وتم عرضها في المجمعات الاستهلاكية.
خدعة نقل المعدات الثقيلة كالدبابات عن طريق نقل ورش التصليح الرئيسية إلى الخطوط الأمامية للجبهة ثم دفع الدبابات إلى هناك في طوابير بحجة إصلاحها، وهو ما فسرته إسرائيل بتدهور حاد في الحالة الفنية للمدرعات المصرية نتيجة نقص قطع الغيار بعد طرد الخبراء الروس.
خدعة نقل الجسور (الكباري) المتحركة والقوارب المطاطية بترك المهمات ملقاة بإهمال على أرصفة ميناء الإسكندرية حتى المساء, وقيام سيارات الجيش بنقل نصف الكمية لمنطقة صحراوية بضاحية حلوان, فيما قامت سيارات مدنية بنقل باقي الكمية للجبهة مباشرة.
هذه أمثلة وهناك عشرات الإجراءات التي تضمنتها خطة الخداع الاستراتيجي المصرية التي نجحت في جعل إسرائيل تسترخي, حتى فوجئت بعبور الجيش المصري بعد نجاح الضربة الجوية في تدمير مراكز الرصد والاستطلاع وغرف القيادة والسيطرة, والمطارات القريبة من جبهة القتال مما حيد سلاح الجو الإسرائيلي الذي لم يستطع الوصول للجبهة إلا مساء السادس من أكتوبر بعد نجاح المصريين في نقل 30 ألف جندي مشاة لسيناء, ونقل مئات الدبابات والعربات والمدافع عن طريق الجسور المطاطية التي تم مدها في زمن قياسي على طول جبهة القتال, وعندما وصلت الطائرات كان حائط الصواريخ في انتظارها.
ولأول مرة في تاريخ الحروب مع العدو الإسرائيلي لم تفلح طائرات العدو الأميركية في اختراق الأجواء المصرية, مثلما حدث في حربي 1956 و1967 حيث تفننت إسرائيل في ارتكاب المجازر بين المدنيين لترويعهم, ومحاولة تأليب الشعب على قيادته, بفضل استبسال الطيارين المصريين, وكفاءة رجال الدفاع الجوي.

إلى الأعلى