الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خطاب ولا فعل… وتلويح ولا إقدام!

خطاب ولا فعل… وتلويح ولا إقدام!

رغم أسطورية صمود غزة ومقاومتها البطولية، زادت حرب الأميركان الداعشية من تنحية القضية الفلسطينية جانبًا أكثر مما كانت عليه، إقليميًّا ودوليًّا، وأعطت الصهاينة وقتًا تهويديًّا إضافيًّا وفرصًا تصفويةً لن يتوانوا عن انتهازها. وإذا كان الموقف العربي الرسمي المشين إبان الحرب على غزة قد أتاح لهم الحديث عن تحالفات واصطفافات باتوا ينسجونها مع بعض الأنظمة العربية، فإن الحرب التي تشن الآن على العراق وسوريا، وبالعودة إلى تصريحات نتنياهو المتكررة، قد ترجِّح تمكنهم فعلًا من إنجاز ما هم يتحدثون عنه… في مثل هذا الواقع المستجد المتكيف مع إيقاعات فوضى حرب الإرهاب الأميركي على الإرهاب في المنطقة، وراهن عربي بالغ السوء متدني الرداءة، وحالة انقسام فلسطيني مقيمة لم تفلح مآثر غزة النضالية في طمسها وتأجيل سرعة عودة تجلياتها، كان قد أتى ترويج رام الله لما دعته مبادرة رئيس سلطتها لحل القضية الفلسطينية عبر طرحها على الأمم المتحدة. وقبل أن تطرح وتتضح معالمها، أو ينكشف الغموض الذي أثارته التسريبات والتكهنات حولها، حملها كبير مفاوضي السلطة الأوسلوية ومدير استخباراتها إلى واشنطن لعرضها على راعي المفاوضات المنهارة جون كيري، الذي لم يتردد في رفضها، الأمر الذي عني من حينه أن الفيتو الأميركي هو في انتظارها إن هي قيض لها أن تعرض على مجلس الأمن ولم يتراجع صاحبها عن عرضها. بعدها تحدثت رام الله عن “خطة عملية” ينوي رئيس السلطة السير بمقتضاها مؤكدةً أنه لن يحيد عنها، بل وهناك من وعدنا بقنبلة سوف يفجِّرها من على المنبر الأممي لها ما بعدها، بل وذهب البعض إلى حد التكهن باحتمال إقدامه على حل السلطة الأوسلوية في حال فشل مبادرته. وجاء الموعد المنتظر، وألقى رئيس السلطة كلمته من على المنبر الأممي، واستحقت ثناء الكثيرين على بلاغتها، كما لم يختلف كثر مع مضامينها، بيد أن كل ما جاء فيها يمكن اختصارها في ثلاث:
أولاها: رفضه العودة للمفاوضات وفقما كانت تجري عليه سابقًا، بمعنى عدم قطعه لشعرة معاويه التفاوضية، وأن لاما يمنعه من العودة إليها إن جرى تحسين سياقاتها… رغم ثبوت عبثيتها، وانسدادها أفقها، وما أهدرته من زمن كان بركة تهويدية خالصة على المحتلين، إلى جانب ما عمَّقته من انقسام في الساحة الوطنية أُسُّه الرئيس السياق الأوسلوي التنازلي المدمِّر للقضية، والذي، ومن عجب، أنه رغم انهيارها، وما جرى في غزة ويجري يوميًّا في الضفة، قد أبقى على التنسيق الأمني “المقدَّس” مع المحتلين قائمًا، بمعنى تحوّل إفراز هذا السياق، أي السلطة، إلى مجرَّد أداة أمنية في خدمة أمن المحتلين… للعلم فقط، اعتقل في الضفة خلال الشهر المنصرم وحده 560 مواطنًا أما عن التهويد فحدِّث ولا حرج، وآخره سطو المستعمرين واستيلاؤهم على 25 بيتًا مقدسيًّا في حي سلوان…
وثانيها: مطالبته للأمم المتحدة بجدول زمني لإنهاء الاحتلال، والجميع يعلم وصاحب المطالبة أولهم أن هذه التي يطالبها، وإضافة إلى كونها من شرَّعت أصلًا اغتصاب فلسطين عبر قرار التقسيم وقبول الكيان الصهيوني الغاصب عضوًا مدللًا فيها، لم تنفِّذ قرارا واحدًا صادرًا عنها يتعلق بالقضية ويرفضه هذا الكيان، أي أن ما لا يجهضه الفيتو الأميركي من قراراتها لا ينفِّذه الصهاينة، وتاريخ مجلس الأمن بالذات حافل بمثل هذه الفيتوات الحامية لهم.
وثالثها: تحدث بجرأة لم تعهد عنه من ذي قبل عن حرب الإبادة الصهيونية على غزة متوعدًا مرتكبيها بعدم إفلاتهم من العقاب. هذا جيد، بيد أنه لم يقرن هذا الوعيد بإعلان عن التوجه للانضمام الفوري لإعلان روما والذهاب مباشرةً للمحكمة الدولية، أو الإشارة الواضحة إلى ما يضحد التلكؤ في الإقدام على أمر لطالما جرى التلويح، بل والتهديد، به، وقيل إنه واحدً من مرتكزات خطته التي تم التبشير بها قبل ذهابه للأمم المتحدة، الأمر الذي استغربته منظمة العفو الدولية وانتقده بيان لها معتبرًا إياه “مساومة على حق”، وذكَّرنا بإحباط السلطة المعروف لتمرير تقرير جولد ستون في مجلس الأمن… لاحقًا ربط الذهاب للمحكمة بفشل مبادرته في الأمم المتحدة!!!
كان أول رد فعل أميركي مباشر على خطاب رئيس السلطة هو وصف المتحدثة باسم وزارة الخارجية له بـ”تصريحات استفزازية”، وأن ما جاء فيه يحتوي على سمات “مهينة ومخيِّبة”! الأمر الذي يقرر سلفًا مصير المبادرة وخطتها العملية في هذا المحفل الدولي الذي ما زال موضوعيًّا في حكم الملحق بوزارة الخارجية الأميركية، لا سيما وأن مسارها محكوم بذات التوجه التسووي ولا يخرج أصلًا عن تليد المراهنة المزمنة على راعيه الأميركي…
خلاصة القول إننا إزاء تلويح ينقصه الإقدام هدفه الضغط لاستدرار سبل أفضل للعودة للمفاوضات، أو تحسين شروطها لتسهيل العودة للانخراط فيها… وحركة هي بمجملها قد نجمت عن ارتطام نهج تسووي بانسداد كامل لمسار عبثي، كل ما أسفر عنه هو سلطة بلا سلطة وتحت احتلال، أو شاهدة زور على تهويد وطن، أرادها المحتلون أداةً لتصفية القضية الفلسطينية، ولم ولن يسمحوا لها بتجاوز دورها الوظيفي الأمني القائم ولن يبقوا عليها إلا لالتزامها به… إذن، وبعد خطاب المبادرة، ما العمل؟!
إنه ما من خيار أمام الأوسلويين سوى دفن أوسلوستانهم والانكفاء عن مسارهم الذي أوصلهم وأوصل الساحة والقضية معهم إلى راهنها الأسوأ، والكف عن المراهنة على أريحية الصهاينة واستجداء عدالة الأميركان… ولا خيار أمام الفلسطينيين سوى ما أثبتت غزة أنه ما من خيار لهم سواه… المقاومة…

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى