الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إيران والإخوان

إيران والإخوان

لم تهتم وسائل الإعلام بالتحذير الإيراني لتركيا من التدخل في سوريا، إثر موافقة البرلمان التركي على طلب الحكومة تفويضها للتدخل العسكري في سوريا والعراق. واعتبر كثيرون تصريح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مجرد تعبير عن “عدم رضا” إيراني على عدم ضم طهران للتحالف ضد الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق. لكن الأتراك لم يتعاملوا مع الأمر على طريقة الإعلام، فهم يدركون أن الطرف الأهم في معادلة كل ما يجري في المنطقة هو إيران لأسباب بعضها واضح مثل دعم إيران للنظام السوري ودعمها لحكم الشيعة في العراق. وبعضها له علاقة بحسابات أميركية/إسرائيلية ويتعلق بمستقبل مصالح القوى الرئيسية في المنطقة. وإذا كان الإيرانيون سبقوا التحالف الدولي بدعم حكومة المالكي ضد داعش، ويتم التنسيق معهم ومع الحكومة السورية المدعومة منهم (ولو بشكل غير مباشر) من قبل الأميركيين في قصف داعش وغيرها، فإنهم يتحسبون للتدخل التركي ولو ضمن التحالف الذي تقوده أميركا.
ليس هناك أكثر من إيران يدرك مغزى دخول تركيا في الصراع العسكري في البلدين المجاورين لهما، ويعرف الأتراك أيضا أن هدف الأميركيين بالأساس هو معادلة نفوذ إيراني فيهما لا يمكن وزنه بكل الحلفاء العرب فقط. ويتعامل الإيرانيون والأتراك بحسابات دقيقة مع حقيقة “فك الارتباط” الأميركي مع المنطقة، رغم قيادة واشنطن للتحالف الجوي الذي يقصف داعش. ففك الارتباط لا يعني إطلاقا التخلي عن المصالح، بل ضمانها عبر فاعلين محليين، وضمن وضع إقليمي يسمح لواشنطن والغرب بالحصول على أفضل المكاسب. ولم تتغير الحسابات الأميركية/الإسرائيلية بأن الوضع الأمثل هو بروز تنظيمات إسلامية سنية ـ يتقدمها الإخوان ومن على شاكلتهم ـ في المنطقة العربية تحافظ على ’صراع ممتد منخفض القوة‘ Protracted Low-Intensity Conflict جوهره سني (إخواني) ـ شيعي (إيراني). وما الهجمات على داعش والنصرة وأمثاله إلا لإضعافها (وليس القضاء عليها نهائيا) بالضبط مثل حصار إيران والضغط الدائم عليها بسبب برنامجها النووي بغرض استمرار الصراع ساخنا دون غليان أو غلبة لفصيل على آخر.
ولمن يبلع كل الكلام الإنشائي عن أن الجميع ضد الطائفية و”كلنا مسلمون” نذكر بأن الدول والقوى التي تقود تحسب حساباتها وتقرر تصرفاتها على أسس عملية براغماتية. فطهران تتعامل مع تركيا/أردوغان على أنها عنوان الإخوان في المنطقة، وأنقرة تتعامل مع إيران على أنها عنوان نظم الحكم في بغداد ودمشق (والآن الحوثيون في صنعاء). وإذا وضع المرء نفسه مكان صانع السياسة والاستراتيجية الإيراني فبالتأكيد سيفضل التعامل مع قيادة الإخوان في المنطقة في مرحلة ما بعد فك الارتباط الأميركي. خاصة وأن كثيرين في الغرب يتعاملون منذ فترة مع المنطقة وكأن بها ثلاثة مراكز قوة هي إسرائيل وتركيا وإيران. ومع تقنين إسرائيل وضعها كدولة يهودية، وكون الجمهورية الإسلامية في إيران دولة دينية/شيعية تدور في فلكها عواصم عربية بقيادة شيعية، لم يبق سوى تعزيز قيادة دينية/سنية يفضل الأميركيون والغرب (وإسرائيل) أن تكون إخوانية ـ وهنا يزاحم أردوغان ليقدم تركيا كمركز قوة ثالث في المنطقة. ليس معنى ذلك بالطبع أن الأميركيين والغرب إخوان، لكنهم ككل من يبحث عن مصلحته يدعم من يحافظ له عليها وليس أفضل من الإخوان في ذلك. ويدرك الإيرانيون والأتراك ذلك دون أي أوهام بشأن “دعم” أميركي لهم إلا بقدر اتساقهم مع استراتيجية إقليمية “يضفرون” فيها مصالحهم مع المصالح الأميركية والغربية.
وإذا كان الصراع في اليمن يمثل جزءا من تلك الخريطة التي يتم رسمها، فإن الإيرانيين لا يبعدون عن بؤر أخرى. من ذلك ما نشر مؤخرا عن دعم إيراني لمبادرة جزائرية لجمع الفصائل المتحاربة في ليبيا بمساعدة من إخوان تونس. ذلك على الرغم من إدراك طهران أن ذلك الجهد الجزائري قد يسفر عن حكم إخواني في ليبيا. وتبقى مصر فقط الرقم الصعب في تلك الخريطة المتوقعة للمنطقة المقسمة طائفيا، طالما ليس للإخوان دور في قيادتها. ربما يبدو غريبا أن تتعامل إيران مع الإخوان، خاصة في سوريا التي ينتظر ألا يستفيد من نتيجة ما يجري فيها سوى الإخوان بما قد يخرج دمشق من دائرة النفوذ الإيراني. لكن المتابع للسياسة الإيرانية يمكنه أن يفهم أن واقعيتها تعني أنها لا تتعامل بطريقة “كسب كل شيء أو خسارة كل شيء”. ففي النهاية سيكون هناك ترتيب في سوريا ليس للنظام الحاكم الغلبة فيه، وبالتالي من المهم أن يكون للقوة الداعمة له دور في شكل هذا الترتيب. وللأسف الشديد فإن الأطراف الإقليمية الأخرى التي تنشط في الساحة السورية تدفع نحو بروز الإخوان، سواء عن قصد مثل قطر أو بالتفريغ السلبي كبقية الأطراف الأخرى.
وحتى لا يخلص أحد إلى أن إيران “تدعم” الإخوان، نعيد التذكير بما تعنيه السياسة العملية من أن الطرف الثالث في الصراع الطائفي القادم في المنطقة لا يزال في دور التشكيل ولا تريد إيران أن تكون بعيدة عن عملية التشكيل تلك. وعلى مستوى أقل، ترغب طهران في لعب دور كدور الأميركيين في دفع الإخوان لقيادة دول المنطقة ـ من هنا التعامل الإيراني مع تركيا. وفي مرحلة لاحقة سيتحدد شكل العلاقة بين أنقرة وطهران من ناحية، وتل أبيب من ناحية أخرى ـ وهنا سيأتي دور جماعات أخرى مثل حزب الله وحماس والجهاد وغيرها عقب إضعاف داعش وأمثالها.

د. أيمن مصطفى كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى