الإثنين 16 سبتمبر 2019 م - ١٦ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / «الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: بالترغيب والترهيب والحيلة نال من عفَّتهن

«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: بالترغيب والترهيب والحيلة نال من عفَّتهن

ميساء بنت زهران الرقيشية مساعد المدعي العام:
ها هو تواصلنا الأسبوعيّ يتجدَّد معكم، في هذه الزاوية الاجتماعية القانونية، التي خصَّصناها لننقل إليكم بعضًا من سلوكيَّات بني البشر الشيطانية؛ يبتغي الادِّعاء العام من ذلك تحقيقِ الوعي المنشود، ولأخذ العبرة منها والعظة، ليس للحيلولةِ دون الانزلاقِ في شباكِ الجريمةِ وتبعاتها المؤلمة فحسب؛ بل أيضًا، للحيلولةِ دون الوقوعِ في أيدي العابثين بالقانون وبالقيم الاجتماعية والأخلاقية التي تحكم سلوكيَّاتنا في الوقتِ عينِه.
تدور أحداثُ القضيةِ الماثلة في انتحالِ أحد المارقين صفةِ ضابطٍ في أحد الأجهزة الأمنية، تحقيقًا لأغراضٍ نفسيَّةٍ مريضة، كشف عنها إقدامه على استغلال هذه الصِّفة في مُساومةِ جملةً من الفتيات في شرفِهنَّ، مُقابل التغاضي عن بعض الهفوات التي وقف عليها، والتي يقتضيه واجبه الوظيفي “المزعوم” مُلاحقتهنَّ جزائيًا وفق ما سنرى في حيثيَّات القضية التي سبق وأن نشرتها مجلة “المجتمع والقانون” في عددها الخامس، والتي صدَّرتها كاتبتها بالعبارة التالية: (عندما تثقف رجلاً تكون قد ثقفت فردًا واحدًا؛ وعندما تثقف إمرأةً، فإنما تثقف عائلة بأكملها) ســقـــراط وعليه، نترككم مع حيثيات القضية كما وردت في العدد المذكور:
أهو الفقر الذي استطاع بواسطته المتهم أن يخترق عقول المجني عليهن، لتنطلي عليهن كذبته وألاعيبه .. أم هو الجهل المطبق عليهن والخوف على السمعة الذي جعل من كذبته الشنيعة محل تصديق، فدفعهن للانصياع له، كراعٍ يمسك بعصاه، ليجر قطيعه بما يدعيه كذباً أن لديه وظيفة أمنية.
تبدأ سطور الحكاية عندما تلقت المجني عليها الثانية (س) رسالة نصية من رقمٍ مجهول فحواها تهديدٍ مُغلف، تبعه اتصال، فجاء صوت المتهم كنذير خطر مرتقب، قائلاً لها كذباً : (بأنه ينتمي لإحدى الجهات الأمنية وبأنها مطلوبة في قضية متعلقة بجرائم تقنية المعلومات بسبب إرسالها صورًا لها ، في مواضع إباحية، عبر الهاتف لصديقها؛ وكذا، لدخولها مواقع إباحية؛ وأن الأمر يتوجب عليها الحضور إلى مكتب التحقيق؛ وإلا سيفتضح أمرها إذا ما تقرر إحالتها للقضاء؛ حيث ستقضي المحكمة عليها بعقوبة سجنية وغرامة مالية تقدر بألف وخمسمائة ريال عماني ؛ مؤكداً لها أن هاتفها مـُـراقب..)؛ ولأنها كانت تحت تأثير الصدمة، وأسلوبه القانع في التهديد، صدَّقت كل حرف منه؛ واستجدته بغلق ملف الدعوى، تحسبًا لافتضاح أمرها أمام ولي أمرها، فأجابها بأن الأمر سيتحتم الحصول على موافقة مسؤوله المباشر لغلق الملف .. هنا، أيقن المتهم أن (السمكة ابتلعت الطعم) المدسوس في صنارة لسانه؛ فهاتَفَها المتهم ليبلغها أن مديره وافق على غلق الملف، مقابل أن تمتنع تماماً عن متابعة المواقع الإباحية لم يكتفِ المتهم بهذه الكذبة؛ وإنما بنى عليها كذبة أخرى بادعائه بأن طبيعة وظيفته تتطلب منه مراقبة مثل حالتها، وأنه سيسعى لتحسين وضعها المعيشي بإيجاد وظيفة لها وتابع المتهم مسلسل الكذب بأن ذكر لها اسم المجني عليها الأولى(ع) وأنها متورطة في قضية مشابهة وأنه سيسعى لحفظ القضيتين معاً، وما عليهما إلا دفع غرامة مالية وقدرها مائة ريال عُماني فقط ، لكل منهما، وطلب منها المبلغ مع صورة من البطاقة الشخصية تواصلت المجني عليها الثانية مع الأولى (ع) وشرحت لها كل ما حصل ، ونصحتها بدفع الغرامة، تفادياً للفضيحة اتصلت المجني عليها الأولى بالمتهم، فصدقته أيضاً، كما وافقت على الغرامة المزعومة؛ فنصحها، تفاديًا للتشهير، بأن لا تدفع الغرامة في مركز الشرطة ؛ وأن تتركها ، بدلاً من ذلك ، هي وزميلتها، في محلٍ بإحدى محطات البترول باسم (الملازم…..)، فكان له ذلك !!
هنا شعر المتهم بأن مُخطّطه الإجرامي في طريقه إلى النجاح ؛ ولتدعيم مشروعه الشيطاني، أقنع المجني عليها الأولى برغبته في الزواج منها، كما أقنع المجني عليها الثانية بالتواصل مع شخصٍ آخر يُدعى (خ) بوصفه عميلاً للجهة الأمنية التي زعم انتسابه إليها، كما طرح عليها أن تعمل معهم مقابل راتب شهري قدره خمسمائة ريال ، ومنحة دراسية بتفريغ كامل من العمل وبعد تفكيرٍ مليٍّ ، ولحاجة المجني عليها للوظيفة وافقت على العرض، فرتب المتهم موعدًا لها لمقابلة (خ)، وحصل اللقاء المنتظر!
اضطرت المجني عليها الثانية أن تساير (خ) وأن تبدي إعجابها الجم فيه إلا أن (خ) خذلها بعدم صلاحيتها للعمل !!
تواصل معها المتهم لاحقا فأبدى لها خيبته منها لعدم قيامها بالمهمة على أكمل وجه وأنها لم تنل استحسان (خ)، وأخذ يلعب على ورقة المقارنة بينها والمجني عليها الأولى، بالقول : إن الأخيرة مجيدة في عملها، وأنها نالت رضا العميل (خ)؛ فاستطاع بذلك أن يحرّك فتيل الغيرة في قلبها ويحمسها للقيام بعملها المزعوم بـ(الوطني)،وحدث اللقاء الثاني، علماً بأن كلا المجني عليهما أخفت الحقيقة عن الثانية، إيماناً منهما بأن مقتضيات العمل يستدعي الكتمان، فكان اللقاء مع العميل السري (خ) داخل مركبته حيث أخذ يتحرش فيها جسدياً، دونما مقاومة؛ لتَوَهُمها بأن مقتضيات العمل تستدعي ذلك. استمر مسلسل الخداع ليبلغها للمرة الثالثة بمهمة أخرى لها مع العميل وأن عليها أن تلتقي به في (العزبة) المملوكة له وعليها أن تصور المكان كاملاً، وفعلاً تحركت إلى المكان ولاحظت وجود كلبً ، اعتقدته من الكلاب الشرطية، وزجاجات تبدو من ملصقاتها بأنها خمر فاخر، مما دفع عقلها الباطن للتصديق مطلقاً بكل ما يبديه المتهم ، فالتقت بالعميل الذي أخذ يتحرش بها جنسيًا من جديد ؛ فما كان منها إلا أن استسلمت لرغباته الشهوانية ولأن الكذب لابد أن ينكشف طال الزمن أو قصر، فقد أخبرت المجني عليها الأولى (ع) المجني عليها الثانية (س) بأن المتهم منعها من التواصل معها، الأمر الذي أثار استغرابها، فبدأ الشك يغزو قلب المجني عليها الثانية (س) فتصارحتا بكل ما دار من أحداث، وانكشف حينها المستور طويلاً وأن المتهم (الملازم المزعوم) هو نفسه العميل (خ)؛ كما صعقت المجني عليها الثانية (س) عندما علمت بأن المجني عليها الأولى (ع) اقترضت مبلغاً مالياً وقدره (أربعون ألف ريال عُماني) لصالح المتهم؛ فقرَّرتا تقديم بلاغ رسمي ضده لدى المركز المختص.
تقديم البلاغ:
لم يكن بلاغاً عادياً، وإنما كان نقطة البداية لكشف حجم الجريمة الشنيعة التي مارسها المتهم على مجموعة من الفتيات، منعتهن الخشية الموروثة مجتمعياً من تقديم بلاغ، فالتزمن الصَّمت، سوى واحدة حذت حذو المجني عليهما، فقدمت بلاغًا، هي الأخرى، ضد المتهم.
باشر المركز المختص إجراءات التحري وجمع الاستدلالات، ليقرر عقب ذلك إحالة القضية إلى الادعاء العام، الذي بدوره باشر إجراءات التحقيق الابتدائي، ومن ذلك استجواب المتهم الذي اعتصم بإنكار ما وجّه إليه من اتهام؛ إلا أنه، سرعان ما تراجع عن إنكاره، بعد مواجهته بالأدلة الدامغة المقيدة ضده؛ ليتقرر الإحالة إلى محكمة الجنايات المختصة مكانياً، بقرار اتهام مُدعّم بالأدلة التالية:المقاطع والصور الإباحية المستخرجة من الهاتف المحمول للمتهم، تكشف ممارسته للجنس مع المجني عليهن وأخريات.
كما ضبط بحوزته جهاز لاسلكي دون أن يكون مُرخصاً بحيازته وتأكَّد بعد الفحص بأن للجهاز القدرة على التقاط نداءات الأجهزة العسكرية والأمنية.
اعترف المتهم بجميع الصور ومقاطع الفيديو، وأنه هو من قام بالتقاطها من جهازه الخاص كما اعترف بحيازته جهازاً لاسلكياً من دون ترخيص.
وبعد أن أنهت محكمة الجنايات تحقيقاتها، وقَرَ في وجدانها إيماناً مطلقاً، بارتكاب المتهم جرائم تمس الإنسانية، وتستغل حاجة بعض أفراد المجتمع، وتلعب على وترِ الأخلاق والخصوصية الفردية فسطَّرت حكمها المنصف بحقه انصافاً للمجني عليهن والمجتمع أجمع انتهى بالآتي:
أولا: (حكمت المحكمة حضورياً بإدانة المتهم بجناية استخدام وسائل تقنية المعلومات في تهديد شخص وابتزازه لحمله على ارتكاب فعل مخل بالشرف والاعتبار، وقضت بمعاقبته عنها بالسجن عشر سنوات والغرامة ثلاثة آلاف ريال عماني. وبجناية استخدام وسائل تقنية المعلومات في إغواء وتحريضِ أنثى على ارتكاب الفجور، وقضت بمعاقبته عنها بالسجن خمس سنوات والغرامة ثلاثة آلاف ريال عماني؛ وبجنحة استخدام وسائل تقنية المعلومات في توفير مواد إباحية وقضت بمعاقبته عنها بالسجن سنة؛ وبجنحة حيازة ما من شأنه المساس والإخلال بالآداب العامة وقضت بمعاقبته عنها بالسجن ثلاث سنوات وبغرامة مقدارها ألف ريال عماني؛ وبجنحة انتحال صفة موظف عام وممارسة الوظيفة العامة وقضت بمعاقبته عنها بالسجن سنة والغرامة مائة ريال عماني وجنحة حيازة جهاز لاسلكي من دون ترخيص وقضت بمعاقبته عنها بالسجن سنة والغرامة خمسمائة ريال عُماني وبجنحة اقتناء وعرض أفلام إباحية، وقضت بمعاقبته عنها بالسجن ستة أشهر وبغرامة مقدارها خمسون ريالاً عُمانياً، على أن تجمع العقوبات في حقه.
ثانيا: مدنياً، إلزام المتهم بأداء مبلغ وقدره أربعون ألف ريال عماني للمجني عليها الأولى.
ثالثا: إلزام المتهم بالمصاريف الجزائية والمدنية مع مصادرة المضبوطات.
وإذ إن حكم المحكمة قد صدر بجمع العقوبات، وليس بدمغها، فيكون مجموع العقوبة السجنية على المتهم اثنين وعشرين سنة وستة أشهر.
الطعن أمام المحكمة العليا:
لم يرتضِ المحكوم عليه بالحكم، فطعن فيه بالنقض أمام المحكمة العليا؛ وإعمالاً لنص المادة (252) من قانون الإجراءات الجزائية، أحال أمانة سر المحكمة مذكرة الطعن إلى الادعاء العام لدى المحكمة العليا؛ وبناءً على المادة (253) من القانون ذاته، قدَّم الادِّعاء العام مُذكرة برأيه فيما ورد في طعن المحكوم عليه، انتهى فيها إلى قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه، مع تصحيح الحكم المطعون فيه بخصوص عقوبة السّجن المقضي بها، حيث جمعت المحكمة العقوبات المقضي بها في حق الطاعن (المحكوم عليه)، وبلغت (22) سنة ونصف السنة، وهو ما يخالف المادة (89) من قانون الجزاء (7/1974)، التي قرَّرت لمحكمة الموضوع امكانية جمع العقوبات، شريطةً ألا يتعدى مجموع العقوبة مرة ونصف العقوبة المحددة قانونًا للجريمة الأشد. وحيث أن الجريمتين الأشد هما الجنايتين المعاقب عليها (15، 18) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وحيث أن السجن المقرر لكلٍ منهما، في حدِّه الأعلى، هو السجن عشر سنوات، أيّ أن مجموع عقوبتيهما هو عشرين سنة سجنًا؛ وإعمالاً للمادة (89) المذكورة، فإن مجموع ما يوقع على الطاعن من عقوبة السجن هو (15) سنة.
وعليه، حكمت المحكمة العليا بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه، بإضافة عبارة “على أن تكون عقوبة السجن (15) خمس عشرة سنة، بعد عبارة “على أن تجمع العقوبات المقضي بها في حقه”.

إلى الأعلى