الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حصاد رمضان .. قِيَم وسلوكيات عظيمة (2)

حصاد رمضان .. قِيَم وسلوكيات عظيمة (2)

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
ـ .. ومن حصاد رمضان عرفنا أن لربنا علينا حقاً أن نعبده طويلاً وأن ننصب أقدامنا بيت يديه بالليل، نقوم لله، ونتهجد له، ونظل نصلي وندعو ونبكي بين يدي عظمته، ونشعر بالسعادة ونحن نسجد لله متذللين، وعرفنا أن منتهى العزة في منتهى الذلة، وأن العبد يرتقي بعبادة الرب، وأن يكون عبدًا ذليلا باكيًا ليستحق العتق من النار، وألا نتكبر بطاعتنا، أو نتدلل بتلاوتنا، وألا نستصغر عبادة غيرنا، فرُبَّ ندم على معصية وانكسار تفوق عبادة فيها عزٌّ واستكبار، وأن الأصل في الأعمال أن تقدَّم على وجل؛ حتى يتقبلها الله:(يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)، لا محل لفخر بطاعة، ولا مكان لاستكبار بتلاوة، أو اعتمار، أو حج، أو تهجد، أو قيام، العمل يقدَّم لله مع البكاء وصدق الدعاء، رجاء رفعه مع كثرة التأوه، والنقاء، والتماس القبول، وتكرار الدعاء لله بكل صدق وتذلل.
ـ علّمنا رمضان ـ وهو سيد المعلمين ـ أن نتعلم معه فقه تغيير المفاهيم، وأن معايير السماء هي المعايير الحقة، فمثلاً الصائم تتغير رائحة فمه جَرَّاء الوقت الطويل الذي لا يغيِّر فيه فمه بطعام أو شراب، فيصير رائحته لا تُتَحَمَّل، لكنها في ميزان الشرع أطيب من ريح المسك، ففي الحديث الشريف:” لخُلوفُ فم الصائم عند الله أطيبُ من ريح المسك”؛ لأنه امتنع عن الطعام والشراب ائتمارًا بأمر ربه، فغيَّر الله موازين الأرض، وحوَّل الأمر إلى النقيض، وهكذا ننظر إلى تكاليف الله فيها بعض المشقة إلى أنها تكاليف لا مشقة فيها، إنما هي عين الرحمة، وينبوع الراحة، وعلامة السكينة، وشارة الاستقرار، وأصل راحة الفؤاد والقلب.
ـ تعلمت من حصاد الشهر أن لكل طاعة فرحةً، ولكلِّ عبادة عيدًا، فالصيام له فرحتان: للصائم فرحتان، واحدة عند فطره، وواحدة عند لقاء ربه، ثم جعل الإسلام للصائمين فرحة عيد الفطر، يفرحون فيه بإتمام طاعاتهم، وتسليم شهرهم لربهم، وكذا طاعة الحج، شرع الله لها عيد الأضحى، يفرحون بحجِّهم، ويضحون لله تعالى بأضحياتهم، تكافلاً مع الفقراء، وفرحة بإتمام النسك، وهكذا في كل طاعة أنتهي منها أفرحُ، وأذكر الله تعالى، وأشكره، وعلى العكس، فإن ضعفت نفسي، وعصيتُ بكيتُ لله، وانتحبتُ حتى يغفر لي، ويسامحني، ويرحمني، ويتجاوز عني، فكل عبادة تخرج لله خالصة من حقِّ صاحبها أن يفرح، فمن سرته حسنتُه، وساءته سيئتُه فهو ذو قلب حيٍّ، وضمير يقظ، ونفْس سوية، وعقلٍ حصيف؛ حتى يحدث عندنا التوازن في النظرة ؛ لأن هناك أناسا يطيعون الله، ويحزنون، ويعبدون الله، ولا يفرحون، هذا ليس فيه توازن، هذا إفراط في الحزن، لا داعيَ له، الخوفُ على قبول العمل لا يدعو إلى اليأس، والخوف الشديد المخرج للمرء عن حد الاعتدال، قال تعالى:(فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، نفرح للطاعة، ونحزن من الكسل، أو المعصية، ونشجِّع أنفسنا على العبادة، فالله تعالى يقول:(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ألا يحقُّ لنا بعد ذلك أن نفرح بسعة رحمة الله، وكمال عطائه، إن المسلم رجلٌ ناضجٌ، حكيمٌ، يعطي الأمر حقه: فرحا وحزنا، يفرح فرحا يدفعه إلى استكمال الطاعة، ولا يحزن حزنا يثنيه عن العبادة بحجة الخوف من الله، أو لا يعمل العمل خشية الرياء، ونحو ذلك مما نراه من بعض الملتزمين الذين لا يبتسمون، وإذا سألتَهم عن ذلك يقولون: نحن نخشى أن يُرَدَّ العمل علينا، فلابد أن يعلموا أن عليَّ أن أعمل، وليس عليَّ إدراك النجاح، نعمل، ونخلص، ونقدم العمل بكل تواضع، وخشية، ثم نأمل في قبول الله له، وعدم ردِّه علينا، قال تعالى:(فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يره)، التوازن في النظرة مطلوبٌ، فلا إفراط، ولا تفريط، وإنما يسلك المؤمن الصائم الملتزم السبيل الأمثل في نظرته للأمور، ولا يغالي ولا ينقص حقه.
ـ تعلّمنا من حصاد رمضان تنظيم الوقت، وحسن استثمار الزمن، وألا نترك أنفسنا هملاً لضياع الوقت، وإهداره، عرفنا أن لنا وردا قرآنيا يوميا لابد من تلاوته، وأن لنا وردا يومياً من الذكر على اختلافه ما بين تسبيح وتحميد وتكبير وهلهلة وحوقلة وصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) لابد منها، وأن لنا صلاة قيام، ولو كانت قليلة ، وصلاة تهجد، ولو كانت يوما بعد يوم، لابد منها، وأن لربنا علينا حقوقاً في العبادة والقرب لابد منها، وأن الصلوات الخمس تُصَلَّى في المساجد، والسنن تُصَلَّى في البيوت:(لا تجعلوا بيوتكم كالمقابر)، وأن إدراك التكبيرة الأولى الصلاة هي فضيلة لابد أن نراعيها قدر الإمكان خلف الإمام، وأن صلاة الجماعة هي الأفضل لثوابها وتمامها، والقيام بحقها ومكانتها ومنزلتها، فلابد من العناية بكل ذلك بعد رمضان إلى أن يحل رمضان الجديد، فيرانا نعمل بحصاده، ونقوم بحقه، فنكون أهلا لاستقباله، وجديرين برؤيته، إن استثمار الوقت في الطاعة من الإيمان، وضياع الوقت وإهداره علامة على غفلة القلب، واهتراء العقل، وضعف الفؤاد، إن الإنسان دقائق، وثوانٍ إذا راحت منه راح كله، واقترب يوما بعد يوم من قبره، وأجله، وموته، وعندها لا ينفع الندم، ولا يُرجِع الماضي.

إلى الأعلى