الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “إياك أعني، فاسمعي ياجارة”

“إياك أعني، فاسمعي ياجارة”

أ.د. محمد الدعمي

” .. الاعتذار للرئيس التركي أردوغان أو محاولة “لغمطة” دلالات التصريح الخطيرة، فينبغي علينا في إقليم الشرق الأوسط المربك والمرتبك أن نأخذها بجد كافِ لتجنب حذف “حليف” أو إزالة “صديق” قوي للولايات المتحدة، خاصة بعدما أماط الروس اللثام عنه من استعداد لتعجيل حال الاستقطاب المزدوج وإعادة الاعتبار له.”
ــــــــــــــــــــ

على الرغم من سحبه تصريحه، ومحاولة إرباك دلالاته عن طريق لوم وسائل الإعلام لعدم دقتها في نقل التصريح، إلا أن للمرء أن يفترض بأن ما قاله نائب الرئيس الأميركي والمرشح الديمقراطي القادم للرئاسة، جو بايدن، لم يكن محض صدفة، بقدر ماكان تلميحاً أريد منه تمرير رسالة تفيد بأن ليس لواشنطن “حلفاء” ولا “اصدقاء” عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي.
أما الاعتذار للرئيس التركي أردوغان أو محاولة “لغمطة” دلالات التصريح الخطيرة، فينبغي علينا في إقليم الشرق الأوسط المربك والمرتبك أن نأخذها بجد كافِ لتجنب حذف “حليف” أو إزالة “صديق” قوي للولايات المتحدة، خاصة بعدما أماط الروس اللثام عنه من استعداد لتعجيل حال الاستقطاب المزدوج وإعادة الاعتبار له.
بيد أن الأهم مما لاحظته في أعلاه من احتدام الصراع الأميركي الروسي يتجسد في “سود الصحائف” الخاصة بالعديد من دول الشرق الأوسط وبجدية صداقتها وإخلاصها لتحالفها مع واشنطن. قد لا نحتاج لسوى تثبيت مرايا عاكسة نسترزعها داخل المهاد الإعلامي والاستخباري الأميركي كي نطلع بدقة على شدة التشويه وكثافة الاتهامات الموجهة إلى حكومات ودول إقليمية بعينها. أما إذا لم تشأ الإدارة الأميركية، هذه المرة، تصعيد للموقف حد القيل والقال والملاسنات مع مثل هذه الدول، واكتفت بـ”جس النبض”، فان في ذلك حسن تقدير وخفض للتعجيل الذي قد يقود إلى ارتطام مصالح لا يبقي ولا يذر بقدر تعلق الأمر بصلات واشنطن بدول الإقليم، خاصة وأن علينا أن لا ننسى قط أنها اليوم بصدد إعادة تشكيل الإقليم على النحو الذي يوافق رؤيتها ومصالحها بعيدة المدة بطريقة تضمن استقراراً بديلاً لاستقرار القرن الواحد الذي ضمنته اتفاقية الكولونياليات الأوروبية الرئيسة، اي بريطانيا وفرنسا، المعروفة بــ”سايكس وبيكو”.
في الشرق الأوسط “الكبير” أو “الجديد” لامجال للثغرات الأمنية التي تطول الــ” باكس أمريكانا” Pax Americana، بمعنى أن أطر الشرق الأوسط السائدة اليوم لم تعد تحتمل البقاء والترميم والتواصل بسبب التقادم وبسبب إنكفاء الكولونياليتين التي شكلت تلك الأطر بعد صعود نجم الولايات المتحدة، بدليل أن مايجري اليوم من أحداث ساخنة وكر وفر بين الأنظمة الحاكمة والمنظمات الإرهابية كداعش إنما يدل على هشاشة الحدود الإقليمية بين دول الإقليم واستجابتها “الزئبقية” العجيبة للتمدد والانكماش، والتحدب والتقعر، تناغماً مع موجات الكر والفر المذكورة في أعلاه.
وعود الى حاجتنا لمرايا تستزرع داخل البيئة الأميركية كي تعكس لنا كيف يتم تقديمنا ، دولاً وشعوباً، ثم إعادة تقديمنا وتصويرنا من آن لآخر حسب مقتضيات الساعة والأنباء ومصالح القوى الفاعلة، فان للمرء أن يسبر أغوار العقل الإداري الأميركي من خلال الصور التي تعكسها لنا هذه المرايا لأن على من يوجه هذه المرايا أن لا يكتفي بمتابعة وسائل الإعلام فقط، وإنما عليه أن يواكب معطيات مراكز الأبحاث ودراسات الشرق الأوسط والإسلام المتخصصة في الولايات المتحدة، لأنها هي التي تقدم إلى صانع القرار الأميركي، كنائب الرئيس بايدن، المعطيات التي قد تتطلب القرار الحاسم والقاسي أو قد تكتفي بتلميحات من نمط “إياك أعني، فاسمعي ياجارة”! والحليم من الإشارة يفهم.

إلى الأعلى