الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : اختر الأخبار التي تستمع إليها

رحاب : اختر الأخبار التي تستمع إليها

خرجت بمعية بعض الزملاء صباح أمس بعد أن جمعتنا صلاة الفجر ثم بدأنا برنامج رياضة المشي التي تعودنا ممارستها يوميا منذ ثلاث سنوات في مثل هذا الوقت، ولم نقطع مسافة طويلة من المشي حتى استوقفنا زميل قائلا: ألم تشموا، ألم تشموا؟ فنظرت الى زميلي الذي لم يظهر استجابة الشم، بينما أخبرته أن حاسة الشم لدي ليست لاقطة للروائح بشكل حساس، لكنه أردف قائلا: ألم تشموا رائحة المطر؟ هناك مطر على مسافة بعيدة من هنا، لم يكن الجو ينبئ بسقوط أمطار في أي مكان من صلالة، لكن زميلنا عزا المطر إلى الشرق باعتبار أن الرياح الصباحية التي كانت ناعسة جدا، ومنعشة جدا، كانت جنوبية شرقية تمتزج بخيوط الشروق الذهبية التي كانت تلون السحب المتناثرة. وتابع زميلنا تنبؤاته المثيرة ذاكرا أن منخفضا خطيرا يجمع جنوده في أعماق المحيط ويتجه بجبروته إلى شواطئ المحافظة، فرددت عليه بأن هذه الأخبار كثيرة جدا وأنا لم أعد أصغ اليها لأنني لست صيادا ولا تضطرني ظروفي لنزول البحر، ولا أصدقها كثيرا، لأن معطياتها العلمية ليست دقيقة دائما، وذكرته بأخبار سابقة كان قد نقلها حول قدوم أنواء مناخية على منطقتنا ولم يحدث شيء، فعدد مرات الخطأ في تقديرات الأحوال الجوية يجعلني مطمئنا أكثر من عدد المرات التي تصدق فيها. لكن زميلي تابع أخباره المتشائمة بلا توقف، وهما استوقفته وأخبرته، لماذا تستدعي المصائب؟ فسأل ماذا تعني؟ قلت له: أنت بتفكيرك في حدوث المآسي والحروب تنضم إلى كثير من وسائل الاعلام تتلاعب بأعصاب الناس وتدير ادراكهم وفق برنامج التوتر والقلق، من خلال نقلهم للكوارث والحروب والمصائب، وتحمل عقول المتابعين لها ما يطاق من الأراجيف والأخبار المغرضة التي تجذب اليها الخائفين والباحثين عن الاثارة وهذا يصب في خدمة القنوات التي تمارس أساليب مدروسة لجذب أكبر عدد من المشاهدين وبالتالي استقطاب أكبر عدد من المعلنين.
إن الأفضل أن يركز كل انسان على الحاضر الذي يعيشه والوقت الذي يمر به ويمنح طاقته وجهده لتحقيق أهدافه وعمل ما يزيد من منسوب الخير في حياته، يجب أن يمارس عادة التفكير في النتائج التي يعمل من أجل تحقيقها في حياته، وهذا يوجه طاقته ووقته ومشاعره باتجاه محدد، وذلك حتى لا تصبح حياته قدرا تكتبه الأخبار السلبية والكم الهائل من المعلومات السلبية التي تجعل عقول المهتمين بها مستنقعا للإثارة والإزعاج.
إن إدارة عقلك تقود إلى المشاعر والنتائج والقناعات التي تحكم عقلك، وإذا ترك المرء عقله ساحة تتلاعب فيها الفضائيات والفضاء الالكتروني والاشاعات من مختلف المصادر والجهات، فإن في ذلك مهلكة له.
يعلق أحد المصدومين جراء سماعه خبر غير سار: شعرت بالسواد قد أحاط بي عند سماعي الخبر. بعد أن رن جهاز هاتفي الخلوي قربته من أذني، كان الخبر صاعقا، ويقول أحدهم: لقد كانت تلك اللحظة أسوأ لحظة في حياتي! وعلى هذا النحو يستقبل الناس الأخبار السيئة. وبالتالي تتردد تلك الأصداء مع الذكريات السلبية لتشكل مصدر خوف وقلق واضطراب وتوتر في حياة الناس.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: بشروا ولا تنفروا. ويردف تفاءلوا بالخير تجدوه. فكل ما يفكر به الإنسان يمكن أن يؤثر عليه وكل خبر أصغى اليه باهتمام واستمر في التفكير فيه، سيثير في عقله الكثير من المشاعر المضطربة.
لاحظت حادثا وقع لسيارة أحد الشباب، فهنأته بالسلامة فرد علي وهو يبتسم: كنت كل يوم أنظر إلى سيارة جارنا التي حطم حادث رجوعه (ريوس ) بدون أن ينتبه الى عمود كهرباء ورائه، وكنت أتساءل كلما أنظر إليها: كيف وقع الحادث؟ ولم تمض أيام حتى وقع لذلك الشاب ما وقع لجاره. ما تمنحه تركيزك وانتباهك يشكل تفكيرك، ومشاعرك وكل ذلك يلون حياتك ويشكل واقعك. وقد جاء في حكمة قديمة إنها علامة للعقل المتعلم ان يكون قادرا على الترحيب بفكرة من دون الموافقة عليه.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى