الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التفويض والإدارة الاستراتيجية

التفويض والإدارة الاستراتيجية

عادل سعد

لا يستقيم عمل الإدارات الاستراتيجية في معالجة الأزمات إلا إذا تحلت تلك الإدارات في تبني مقتضيات التصدي للاختلالات، من مقدارها الضئيل إلى المقدار المفتوح تبعا لحجم الفهم المطلوب إزاء ذلك مع الالتزام بضوابط الفحص الميداني لاستكشاف أي المضامين تحكم الواقع من أجل العمل بموجب الحاجة المستكشفة، إن كانت بأصابع اعتيادية أم أن هناك أزمة عميقة تضرب هذا الواقع وتنخر فيه.
على أي حال، إن الاستكشاف الصحيح هو الذي من شأنه أن يحدد المعالم بشرط أن تتحكم المعرفة بجميع مكونات ما يجري، ومقابل ذلك تحل المراوحة، أو ربما التخريف والتخبط إذا كان الوضع على العكس من ذلك تماما.
إن تطبيق هذا المعيار من الفحص كفيل في تبيّن كيف وأين ينبغي أن يكون التحرك ومتى يقتضي التوقف لإعادة تصحيح المسار مع إمكانية الفرز على وفق الواقع، وإذا كان لا بد من عينات على هذا الطريق في هذه الساعة من الأحداث فيكفي التوقف عند المشهد اليوناني، حيث احتل سوء الإدارة مقدمة أسباب الإطاحة برئيس الوزراء اليساري الكسيس تسيبرس خلال الانتخابات التي جرت قبل عدة أيام، وهي أسباب استثمرها اليمين المحافظ الوسط بزعامة ميتسو تاكيس للتشهير بسياسات تسيبرس لمعالجة الأزمة المالية التي عصفت باليوناني ودعا الناخبين إلى سحب التفويض الإداري من اليسار الذي تولى السلطة منذ عام 2015، أما على الصعيد العربي؛ فهناك أكثر من مشهد واحد لسوء الإدارة للأزمات في الشأنين السياسي والاقتصادي، ويكفينا هنا ما تعرض ويتعرض له العراق حيث تخوض أصابع الأزمات في العديد من الأوضاع.
هناك أزمات سياسية وأمنية واقتصادية وبيئية ومعرفية مشخصة تتناوب البلاد، لكن أزمته الأشد، وجود افتراق بشأن أسبقيات المعالجة، ففي حين تتطلب الحال التصدي لها ضمن وحدة في النوايا وفي طبيعة الإجراءات، يحصل التوجه المخالف إلى ذلك.
لقد حال نظام المحاصصة دون تحقيق معالجات جوهرية، ولعل أكثر ما يؤكد هذا، القائمة الطويلة التي ورثها الدكتور عادل عبد المهدي رئيس الوزراء من الحكومات السابقة عن مكامن فساد وتلكؤ وتخريب، إذ تضمنت تلك القائمة مسحا ميدانيا واسعا لظواهر الاختلالات لكن التضارب في أولويات الحلول والمسارعة الفجة لإلقاء اللوم على الآخرين قد شتت الجهود، وهكذا نجح الضغط الحصصي الطائفي والإثني والمناطقي في تحصين القدرة على التسويف حتى الآن وإن حصلت بعض الاختراقات التي تخدم الإصلاح.
إن ما ينطبق على الحالة العراقية، ينطبق أيضا على بلدان عربية بمسميات وأوضاع أخرى، وبدرجات متباينة، أما الأزمة الأشد وضوحا فهي تكمن بما تعرض له العمل العربي المشترك من شلل مع سوء إدارة قومية لم تعرف كيفية التصدي لهذه الأزمة، أو تحت ضغط الإهمال المتعمد لها كي تستوطن عربيا وكأنها قدر لا بد منه، مع يقيني بوجود أصابع إقليمية ودولية تعمل على تكريس هذا الإهمال.
إن أية إدارة لا يرقى مستواها إلى مستوى مفهوم الإدارة الاستراتيجية تظل قاصرة عن الاضطلاع بمسؤولية مواجهة أية أزمة، وفي هذا الشأن يرى الباحثان دفيد هانجر وتوماس ال ويلين، أن ركائز الإدارة الاستراتيجية تتطلب امتلاك أدوات غير تقليدية مع الضبط المحكم لسير العمل، وإلا فإن فرصة المعالجة تبقى ضئيلة أصلا.
الحال، إنه مشهد متكرر في الواقع العربي بدون منازع، وإلا ماذا يعني كل هذا التراكم المتجذر من الإخفاقات والمعالم المهزوزة السائدة في حياتنا؟ وماذا يعني أيضا كل هذا الترحيل للأزمات باتجاه الأمام؟ وأين الإنجاز الذي يمكن لجامعة الدول العربية مثلا أن تفتخر به في مواجهة ولو أزمة واحدة على الأقل؟

إلى الأعلى