الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نموذجية السياسة الخارجية الإيرانية

نموذجية السياسة الخارجية الإيرانية

خميس بن عبيد القطيطي

في عالم السياسة والعلاقات الدولية تعيش الكيانات السياسية في فضاء مفتوح، من يمتلك فيه الرؤية السياسية الدقيقة والقراءة الصحيحة، ويمتلك الأوراق الجيدة هو قادر على تجاوز الأزمات، حتى وإن كان المستقبل محفوفا بالمخاطر والاستهداف فهو يستطيع في حدود إمكاناته السياسية وأوراقه الاستفادة من جميع قواعد ومبادئ السياسة تجاوز تلك الأزمات، حتى لو اضطر إلى الانحناء في بعض الحالات العاصفة التي لا بد فيها من الانحناء وتقديم بعض التنازلات في سبيل الإبقاء على كيانه ينبض بالحياة دون تفريط في الثوابت على طريقة الانسحاب والتراجع حتى تتهيأ له الظروف بالتقدم من جديد، وهذا السياق ينطبق على كثير من دول العالم منها من يمارس سياساته بمستوى عالٍ من الاحتراف ومنها من يمارس سياساته بكثير من التخبط ويقحم بلده وشعبه في منزلقات قد تجرها إلى أزمات هي في غنى عنها.
السياسة الإيرانية في العقود الأربعة الأخيرة تعتبر أحد أهم محاور السياسة الدولية، وغالبا ما يتمحور حولها صياغة الأخبار وصناعة الأحداث منذ انتهاء النظام الملكي السابق عام 1979م، والحقيقة أن محاولة استقراء السياسة الإيرانية أمر جدير بالاهتمام، كونها أحد النماذج السياسية الدولية التي فرضت نفسها بقوة من خلال استخدامها السليم لمعطيات السياسة الدولية، واستخدام أوراقها الرابحة في أوقات السلم والحرب، فمنذ أربعين عاما على قيام ثورتها وحتى اليوم لم نستطع تحديد إخفاق واضح لمسيرة سياستها الخارجية، رغم وجود بعض التحفظات من قبل بعض المراقبين لسياسات إيران الإقليمية، ولكن في كل الأحوال هي تمارس سياساتها التي تكفل لها تحقيق مصالحها، ولن أستعرض في هذا السياق مرتكزات وأوراق القوة المستخدمة في السياسة الإيرانية والظروف الدولية التي استفادت منها إيران أو علاقات إيران الإقليمية وانفتاحها الاقتصادي ومصادر ثروتها وقدراتها المتنوعة، فقد تم التطرق إلى ذلك في مقال سابق بعنوان “خلفية الصراع بين إيران والولايات المتحدة” بتاريخ 30 مايو 2019م، ولكن سنعرض إسقاطا سريعا على نموذجية السياسة الخارجية الإيرانية.
وعودا على بدء فإن العقلية الإيرانية ونموذج سياساتها الخارجية كان كفيلا بالبقاء والصمود، بل والانطلاق في صدارة الدول الصاعدة في العالم رغم حجم التحديات والظروف والاستهداف والعقوبات، ونود الإشارة هنا إلى أن البعض يعتقد أن تأجيج الموقف بين إيران وبعض القوى الدولية وفرضية العدو الخارجي ما هو إلا غطاء لابتزاز دول المنطقة، وهذا رأي صائب طبعا، لكن يبالغ في وصف العلاقة بين إيران والولايات المتحدة على أنها علاقات صداقة وتحالف خفي مبررين ذلك بعدم حدوث أية مواجهات عسكرية بين الطرفين خلال العقود الأربعة الماضية، وهذه الفكرة في حقيقتها فكرة خاطئة وساذجة، فربما مسألة تخويف دول المنطقة من إيران واقع فعليا منذ سقوط نظام الشاه، إلا أن الحقيقة الأخرى هي أن وجود إيران قوية متطورة تفرض سياساتها الإقليمية هو أمر بالغ الخطورة ولا يمكن قبول ذلك وفقا لسياسة الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل، ولذلك يتبادر السؤال: لماذا لم تتمكن القوة الأميركية حتى اليوم من إجهاض تطور القوة الإيرانية؟ وإجابة هذا السؤال في صدر عنوان المقال، فمن خلال سياسات إيران الخارجية الذكية واعتمادها على رصيد من الخبرة والعقلية الإيرانية التي استخدمت في توجيه سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية، واعتمادها على مبادئ ثابتة ومنهجية نظام ثوري يرتكز على مقاومة القوى الاستعمارية، ولم يكن لإيران أن تحقق تلك النجاحات إلا من خلال اتباع مسارات ناجعة في سياساتها وإدارة أزماتها، فوظفت تلك الخبرات والمبادئ الثورية في تحقيقها، مع استخدام دبلوماسيتها بشكل مدروس وقراءتها الصحيحة والواقعية للسياسة الدولية، بالإضافة إلى استخدام أوراق القوة ومعرفة نواحي الضعف، فتمكنت من تجاوز الأزمات والعقوبات بشكل منقطع النظير اعتمادا على تراكم من الخبرة السياسية طوال الأربعين عاما الماضية، كل تلك العوامل كانت كفيلة بإبراز نموذج سياسي فريد من نوعه، كما استفادت إيران من الظروف السياسية بالمنطقة وبقيت بعيدة عن الأخطار في ذروة الأحداث، كما أن استخدام إيران لسياسة النفس الطويل مع القوى الدولية في ملفات حرجة مثل برنامجها النووي مكنها من استخدام هذا الملف كورقة قوية محققا لها فوائد سياسية واقتصادية جمة، وأثبت على المدى البعيد علو كعب السياسة الإيرانية.
جمهورية إيران الإسلامية ومنذ اليوم الأول على سقوط نظام الشاه تعلم أنها تعيش في نظام دولي يعتمد على القوة، فكانت من أهم مرتكزات نظامها الجديد، كما أن تماسك الجبهة الداخلية واعتمادها على نظام عميق يعمل وفق هيكيلة تنظيمية منيعة برهنت على حيويتها وقدرتها في مواجهة الأحداث والأزمات، وهذا يسجل لها مزيدا من الاحترام.

إلى الأعلى