الأربعاء 17 يوليو 2019 م - ١٤ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الأرض كروية

الأرض كروية

د.احمد مصطفى

يظل هناك من يعتقد غير ذلك، من أتباع الجماعات المتطرفة المنغلقة التي تتبنى أفكارا أقل ما توصف به هو الشطط، لكن الغالبية العظمى من البشر تثق في العلم وفي أن الأرض كروية وليست منبسطة. ولا شك أن رياضات الكرة ومسابقاتها التي تجتذب مئات الملايين من البشر حول العالم تكتسب باطراد أهمية لا تقل عن أهمية نظرية العلم بكروية الأرض ـ دون أي إيحاء بعلاقة “كروية” بين الأمرين سوى التشبيه المجازي. وأعترف أنني ربما مثل عدد قليل جدا بين من أعرفهم لست من هواة الكرة، قدم أو يد أو غيرها، حتى أني لا أذكر أني لعبتها وأنا صبي. ولا أنسى ذات مرة اضطررت فيها لإعداد وتقديم نشرة رياضية في منفذ إعلامي كنت أعمل به فأزعجت كل من أعرفهم بالاتصال للسؤال عن كل شيء كي لا أقدم للجمهور ما لا أفهمه وأظن بعضهم كان يضحك في سره من جهلي.
كل هذا لا يعني شيئا أمام حقيقة أن الكرة، وخاصة كرة القدم، أصبحت اللعبة الأكثر شعبية في العالم وتحظى بمريدين ومشجعين أضعاف كل الأحزاب السياسية والتجمعات المهنية في العالم مجتمعة. وكمهتم بالشأن العام أتابع، قدر ما أستطيع وأفهم، مسابقات الكرة الوطنية والإقليمية والعالمية ربما بذات القدر الذي أتابع به أخبار الكرة التي نعيش عليها جميعا كبشر من اقتصاد وتغير مناخي وسياسة…إلخ. وبغض النظر عن المتابعة من هذا المنظور، يتفاعل المرء أحيانا ـ حتى لو لم يكن من المشجعين التقليديين ـ مع منافسات كروية يفوز فيها فريق بلده في مسابقة إقليمية أو عالمية أو فريق من منطقته في مسابقة كبرى. بالضبط كما يسعد المرء حين يتحسن ترتيب بلده، أو بلد من إقليمه، على مؤشر التعليم العالمي أو تحسن مناخ الأعمال أو ما شابه. وليس في ذلك انجراف مع الجماهير، فهذا شأن السياسيين الذين ينتهزون أي فرصة لزيادة أعداد داعميهم، بقدر ما هو تعبير عن مشاعر إنسانية بسيطة ومنطقية.
تلك المقدمة الطويلة لتوضيح أن تعليقي على الجدل بشأن خروج الفريق المصري من بطولة كأس إفريقيا التي تجرى منافساتها الآن في مصر ليس كرويا ولا رياضيا حتى، بقدر ما هو من منظور اهتمام ومتابعة مختلف ربما لا يرضي المشجعين والمتعصبين. وسبب الاهتمام، هو تلك الحملة الإعلامية والجدل على مواقع التواصل لأن فريق مصر خسر المباراة أمام فريق جنوب إفريقيا ولم يصل لدور الثمانية في المسابقة. بالنسبة لي، هذا أمر طبيعي وعادي ولا يعني استضافة بلد لمسابقة إقليمية أو عالمية أنها بالضرورة ستفوز بالمركز الأول فيها. وإذا كان المنتخب القومي المصري لكرة القدم فاز ببطولات إفريقية عديدة، فلا يعني ذلك أنه ما زال بنفس الكفاءة والمهارة أو أن الفرق الأخرى في القارة لم تتطور وتتفوق عليه. ولولا أن ذلك الجدل أخذ منحى يكاد يشبه المواقف من صراع إقليمي كالذي تخوضه مصر ضد الإرهاب في سيناء وغيرها وتسعى لردعه قادما من ليبيا أو دول جوار أخرى ما فكرت في الكتابة عنه.
الهدف الأهم، في تصوري، من استضافة مصر للمسابقة الإفريقية هو إظهار قدرتها على التنظيم واستضافة الجوار وما وراءه كعلامة على عودة “الدولة” التي منيت بالفوضى منذ نحو عقد من الزمن. وتحقق هذا الهدف بالفعل بشهادة الضيوف والمتابعين من الخارج وليس بالدعائية الفجة للإعلام المصري. وأظن ذلك هو ما أثار حفيظة كل من أرادوا أن تفشل في مصر في تنظيم المسابقة ـ وقد عبروا عن ذلك صراحة في منافذهم الإعلامية وعلى مواقع التواصل وكله منشور يمكن الرجوع إليه ـ وجعلهم ينفخون في أزمة خسارة مباراة ومسابقة. بما أني لا أفهم كثيرا في الكرة، لا أستطيع التعليق على القدرات الفنية للمنتخب المصري (ولا غيره أيضا). لكن المؤكد أن الفريق والهيئات المسؤولة عنه من اتحاد كرة وغيره تعاني من مشاكل ليست جديدة، سواء كانت فسادا أو عدم كفاءة أو غيرها. ولا شك أيضا أن أجهزة الدولة المسؤولة عن مراقبة وتنظيم عمل تلك الهيئات الرياضية لم تقم بما يلزم للحد من ذلك.
وهذا للحقيقة شأن كثير من القطاعات في مصر، وليس الرياضة وكرة القدم فحسب، والتي ربما ليست في أولويات السلطة “تنظيفها” من الفساد وعدم الكفاءة بتركيزها على مشروعات البنية الأساسية والإصلاح الاقتصادي. لكن لأن هناك آفة أخطر في الإعلام، فقد شارك الإعلام الرياضي المصري ـ عن جهل مثل الدبة التي قتلت صاحبها لتوقظه من النوم ـ في تحويل خسارة فريق إلى أزمة قومية تستوجب تدخلا عسكريا (هكذا طالب مدرب سابق للفريق القومي المصري)!! وكان أجدى بهذا الإعلام أن يتصدى لمشاكل اتحاد الكرة وغيره منذ فشل كأس العالم في روسيا وحتى من قبله، وليس الدخول في عمليات تصفية حسابات تضر بالهدف الأساسي لمصر كبلد من استضافة كأس إفريقيا. وهناك منتخبان عربيان، الجزائر وتونس، تأهلا لدور الثمانية وكان على الإعلام الرياضي المصري الاهتمام بالفرقتين خصوصا وأن المنتخب الجزائري مرشح للفوز بالبطولة وفي ذلك سعادة وفخر لكل عربي. ولربما داوى ذلك من جراح قديمة ـ تسبب فيها الإعلام الرياضي بجهله أيضا ـ بين مصر والجزائر كرويا.
نعم الأرض كروية، ونعم كرة القدم مهمة، لكنها ليست حوبا وطنية وقومية وإنما مناسبات لإبراز أفضل ما لدينا. ولعل الجمهور المصري، الذي يشجع الآن الجزائر وتونس، أفضل من إعلامه ومسؤوليه الرياضيين.

إلى الأعلى