السبت 21 سبتمبر 2019 م - ٢١ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى في فكر السلطان

الشورى في فكر السلطان

سعود بن علي الحارثي

يمكن الحديث عن الشورى في رؤية جلالة سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ من منطلقات ثلاثة تبرز وتؤكد على إيمان جلالته بالقيم الشورية وتمسكه بمبادئها الأصيلة وتأصيله لهذا النهج الحميد، وذلك عبر خطاباته السنوية التي تدعو إلى التنسيق والتعاون بين مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلسيا الوزراء والشورى، وتشيد بدور الأخير في تعزيز مسيرة التنمية، وكذلك من خلال جولات جلالته إلى مختلف مناطق وولايات السلطنة، والتقائه المباشر بالمواطنين في السيوح والجبال والأودية والمدن ومناقشاته معهم لمختلف القضايا والملفات الوطنية، في تطبيق مباشر أو ممارسة دقيقة لما يعرض له الخطاب، وأخيرا دعمه المتواصل لمؤسسة الشورى عبر المراسيم السلطانية التي تضمنت تطورا في الصلاحيات وتدرجا في عملية الانتخاب.
وبشكل مختصر سوف أتحدث في هذا المقال عن الشورى في الخطابات السامية، بما يحقق الغرض ويقدم صورة جلية عن المساحة التي تأخذها القيم الشورية في فكر جلالة السلطان. (إن الجهود الجادة والمخلصة التي قام بها المجلس خلال ثمانية أعوام قد أتاحت له أن يمارس مهامه في مختلف المجالات بكل الجدارة والحرص على تقديم المشورة الموضوعية مما كان له انعكاسه الواضح في إثراء جهود التنمية، وإنه ليسعدنا أن نشيد بالجهد الكبير الذي بذله مجلسكم في دراسة واقتراح الوسائل الملائمة لتطوير قطاعات الزراعة والأسماك والثروة الحيوانية، وتنشيط قطاع الصناعة، إضافة إلى دراسة الخطوات اللازمة للحفاظ على الصناعات التقليدية والمهن اليدوية، ولما قدمه أثناء الفترة الرابعة من توصيات عملية وبناءة هي الآن موضع اهتمام الحكومة لبرمجتها وفقا للأولويات وإدراجها ضمن خططها الإنمائية. وتقديرا منا لدور المجلس ولما اكتسبه من خبرة وتجربة في تدارس اهتماماتنا الأساسية. كان حرصنا على التوجيه بتنظيم ندوة التعمين من خلاله، والتي عقدت في يناير الماضي وشارك فيها عدد كبير من ممثلي الوحدات الحكومية والقطاع الخاص، مما هيأ للندوة أن تساهم في إبراز مفهوم عام للتعمين، وقدم المجلس على ضوئه توصيات تدرسها الحكومة حاليا، وفي هذا الصدد فإننا نؤكد أن الأمر فيما يتعلق بالتعمين ما زال يتطلب جهودا مستمرة من جميع أجهزة الدولة، وكافة القطاعات الأهلية، ومن المواطنين بصفة أساسية للارتفاع بنسبة التعمين في جميع مجالات العمل إلى أقصى حد ممكن). يؤكد هذا المحور من الكلمة السامية بمناسبة افتتاح الفترة الخامسة للمجلس الاستشاري للدولة 23/يناير 1990، على الآتي: أولا: أهمية الدور والجهود والإنجازات التي قام بها المجلس الاستشاري للدولة، ما أهله لأن ينال تقدير وثقة جلالة السلطان، وتكليفه من ثم بالتنظيم والإشراف على ندوة التعمين. ثانيا: إن الدراسات والتوصيات والنتائج التي يقوم بها المجلس ويرفعها إلى جلالة السلطان هي محل اهتمام الحكومة وتضمن في الخطط الإنمائية، ما يؤكد أن سلطان البلاد يتابع ما يقدمه المجلس بنفسه. أخيرا: إن الاهتمام بالتعمين بدأ مبكرا وكانت مؤسسة الشورى الحاضنة الأولى لهذا الاهتمام والتكليف الذي تواصل على مدى ثلاثة عقود من الزمن. (ولدعم التنسيق بين مجلس الشورى والحكومة بما يخدم الأهداف العامة للمجتمع العماني فقد نص مرسوم إنشاء المجلس على عدة طرق تؤدي إلى تحقيق هذا الهدف). من نص خطاب جلالة السلطان بمناسبة افتتاح الفترة الأولى لمجلس الشورى (ديسمبر 1991م، هنا لم يكتفِ الخطاب بالدعوة إلى التنسيق والتعاون بين مجلس الشورى والحكومة، بل أراد تذكير الحكومة ومسؤوليها أن هذا التنسيق والتجاوب مع الشورى نص عليه المرسوم السلطاني وفصله بعدة (طرق)، ليصبح ملزما بقوة القانون. من جانب آخر نرى أن الخطاب قدم مجلس الشورى على الحكومة في عملية التنسيق تأكيدا على تمثيله للمجتمع ومعبرا عن إرادة الاختيار من خلال صندوق الانتخاب. (لقد أردنا منذ البداية أن تكون لعمان تجربتها الخاصة في ميدان العمل الديمقراطي ومشاركة المواطنين في صنع القرارات الوطنية)، من الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، في جلسة افتتاح الفترة الثالثة لمجلس عمان (أكتوبر 2003م). وهكذا نرى أن الخطاب يؤكد هنا على النهج الديمقراطي وربطه بالمشاركة المجتمعية في صنع القرار، ويظل البرلمان في مختلف دول العالم الديمقراطي هو النموذج الحقيقي الذي تتجلى فيها مشاركة المواطنين في بلورة القرارات الوطنية. (…. وإننا ندعو الحكومة والمجلس إلى تكثيف جهود التنسيق الحقيقي بينهما، وتطوير أساليب التعاون بين الأجهزة التابعة لهما، لنأمل أن يعمل ذلك على رفع مستوى الأداء فيما يقدم للمواطنين من خدمات)، (ديسمبر 1991م). يتجلى هنا حرص جلالة السلطان واهتمامه بالتنسيق والتعاون بين الحكومة ومجلس الشورى عبر التأكيد عليه في عدد من المناسبات والخطابات السامية، وذلك لتحقيق الغاية الأسمى المتمثلة في رفع مستوى الأداء، إدراكا بأن تحقيق هذا الهدف لن يكون سهلا إلا بتضافر وتعاون المؤسسة التي تمثل المجتمع من جهة وهي مؤسسة الشورى، والحكومة المشرفة والمسؤولة أمام البرلمان عن تنفيذ أعمالها ومهامها التي نظمتها القوانين والهياكل واللوائح الإدارية، وممارساتها لصلاحياتها، وقيام البرلمان بدوره في محاسبتها. وكان السادس من نوفمبر 2007م، يوما آخر حافلا في مسيرة العمل الشوري، حيث افتتح سلطان البلاد الانعقاد السنوي لمجلس عمان في مناسبة وطنية عامة، في قاعة مجلس عمان، وأبان الخطاب السامي عن مدى اهتمام جلالة السلطان قابوس بن سعيد بنهج الشورى، (لقد مرت على تجربة الشورى في عمان أعوام حافلة بكثير من التطورات التي رسخت مفاهيم العمل المشترك والتعاون المتبادل بين المواطنين والأجهزة الإدارية في الدولة…)، (وكان للجهد الكبير الذي بذله كل من مجلسي الدولة والشورى في مجال إعداد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ومراجعة القوانين والنظم وتقديم التوصيات والمقترحات في مختلف المسائل التي تهم المجتمع وتهدف إلى تطويره وتوفير أسباب التقدم لكل فئاته أثر ملموس في إثراء هذه التجربة الوطنية). هي شهادة رضا وتقدير لأداء الشورى ودورها وإسهامها في العمل الوطني، وتؤكد على تعهد جلالة سلطان البلاد ورعايته المباشرة لهذا النهج، ومتابعته الدقيقة لمسيرة الشورى وما مرت به عبر مراحلها الزمنية من تطورات وما قدمته من إنجازات، (تابعنا بكل اهتمام هذه المسيرة المباركة وراقبنا تطوراتها بكل عناية ونحن ننظر بارتياح للكيفية التي تتقدم بها هذه التجربة…)، متابعة وإشراف ورعاية وعناية متواصلة من قبل جلالة السلطان بهذه المسيرة الشورية، وما يكتنفها كذلك من تحديات وما تتطلبه من دعم في الحاضر والمستقبل، (… سوف نحث حكومتنا على رفع مستوى التواصل وتكثيفه مع مجلس عمان بما يمكنه من القيام بواجباته وأداء مهامه على أفضل وجه)، هذه الدعوة المتواصلة لتعميق التنسيق والتعاون بين الشورى والحكومة وتأكيدها في معظم الخطابات السلطانية، تعكس دون شك بأن خللا ما يعتري هذه العلاقة، وأن الوضع يتطلب تحفيزا وتذكيرا وتشجيعا وأوامر سامية متواصلة إلى أن يبلغ التنسيق والتعاون مداهما ويحققا تطلعات ورضا المجتمع. من جانب آخر يبرز حرص جلالة السلطان واهتماماته بمسيرة الشورى ورغبته بأن تتجذر قيمها في المجتمع وفي ثقافة العمل المؤسسي بمختلف درجاته ومستوياته وفي فكر المسؤولين وأدائهم وممارساتهم، والارتقاء بالعمل الشوري والمضي قدما في تطوير وتوسيع اختصاصاته ومهامه. (فإننا نتطلع إلى أن يقوم مجلس عمان بشكل عام ومجلس الشورى على وجه الخصوص بمهام ومسؤوليات أكثر شمولا في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية آملين أن تكون الخبرات المكتسبة دافعا لتقديم المزيد من العطاء المفيد البناء خدمة لهذا الوطن العزيز…)، لقد ركز الخطاب في معظم أجزائه على نهج الشورى قراءة دقيقة وتقييما وتحليلا، ورسم على ضوء ذلك خطة وبرنامج العمل لمرحلة قادمة تسير على هداه مؤسسات الدولة ومسؤوليها تعاونا وتنسيقا وبذلا وعطاء وجهدا مع مجلس عمان بدعامتيه الدولة والشورى وبتشكيلته الغنية من أعضاء يحملون الخبرة والإلمام باحتياجات المجتمع ومشاكله في هدف مشترك غايته مصلحة الوطن والمواطن.
وفي مرحلة أخرى في شهر فبراير 2008، وتأكيدا على اهتمام جلالة السلطان ودعمه للشورى، فقد ترأس جلالة سلطان البلاد لقاء مشتركا لمجلسي الوزراء والشورى بحصن الشموخ، وأسدى توجيهاته لأعضاء المجلسين بـ(العمل المشترك والتنسيق الدائم لتنفيذ الخطط التنموية بالبلاد على الوجه الأكمل وتسخير كافة الموارد والإمكانيات لتحقيق المزيد من الرقي والتقدم والرخاء). وقد حمل هذا اللقاء المهم رؤية جلالته الشاملة وقراءته الحصيفة للأوضاع المحلية والمستجدات الإقليمية والتطورات العالمية وما تشهده الساحة من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية… وإدراكا للتحديات المختلفة التي تواجه الوطن والمواطن على أكثر من مستوى، وما تتطلبه المرحلة وفقا لذلك من جهد مشترك وعمل جاد وتنسيق فاعل يجب أن تشارك فيه جميع الأجهزة والمؤسسات والأفراد في تناغم وتلاحم تأمين لتعود فوائده وخيراته على الوطن. وفي جلسة افتتاح الفترة الخامسة لمجلس عمان بتاريخ 31/أكتوبر/2011م، بحصن الشموخ عبر الخطاب عن رؤية جلالة السلطان وتطلعاته بشأن مجلس عمان، (… فإننا نتطلع إلى نقلة نوعية للعمل الوطني الذي سيقوم به مجلس عمان في المرحلة القادمة في ضوء ما أتيح له من صلاحيات موسعة في المجالين التشريعي والرقابي، ولا ريب أن التحديات كبيرة غير أننا على ثقة تامة من أن جميع أعضاء المجلس سوف يمارسون دورهم الفاعل ويقدمون جهدهم وعطاءهم الباذل من أجل السير قدما بهذا الوطن الغالي نحو آفاق العزة والمجد والرقي والازدهار والأمن والاستقرار واضعين نصب أعينهم تلك المسؤوليات الجسيمة التي توجب على مجلسهم كهيئة تشارك في صنع القرار…)، ولننتبه هنا إلى بعض المصطلحات التي وردت في الخطاب مثل: (صلاحيات موسعة في المجالين التشريعي والرقابي، هيئة تشارك في صنع القرار)، وهو ما ينبغي أن يقرأه مجلس الوزراء بما يحقق غايات الصلاحيات الجديدة. وفي نوفمبر 2012م وبمناسبة افتتاح مبنى مجلس عمان في منطقة البستان، كان أمل جلالته بأن (تشهد قاعات هذا الصرح الكبير الذي افتتحناه باسم الله وعلى بركته طرحا بناء للأمور ومعالجة حكيمة لها تظهر من خلالهما لكل من يراقب هذه التجربة في الداخل أو الخارج قدرة العمانيين الواضحة على المشاركة بالفكر المستنير والرأي الناضج في صنع القرارات التي تخدم وطنهم وترقى به، وتحقق له مكانة بارزة ومنزلة سامية بين الدول، وليس هذا بعزيز على أبناء أمة يشهد لها ماضيها العريق، ويدفعها حاضرها الزاهر إلى التطلع نحو آفاق واسعة من التقدم والتطور…). والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استوعب مجلس الشورى برئيسه وأعضائه المنتخبين المكلفين بمسؤوليات وطنية جسيمة أقسموا عليها اليمين، والوزراء في الحكومة الذين لا تقل مسؤولياتهم عن زملائهم في الشورى هذه التطلعات السلطانية بمصطلحاتها الطموحة ولغتها البرلمانية الواعية؟.
* يستند هذا المقال إلى ما تضمنه الفصل (الرابع، الشورى في فكر السلطان)، من كتابي (صفحات من الشورى)، مع التصرف في مادته بما يتناسب مع حجم وغايات المقال.

إلى الأعلى