السبت 21 سبتمبر 2019 م - ٢١ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : بهلا .. خطوة للنهوض بالحرف العمانية عالميا

رأي الوطن : بهلا .. خطوة للنهوض بالحرف العمانية عالميا

لم تعد الثقافة جزءًا من وسائل حماية الهوية، أو وسيلة تعبير عن المستوى الحضاري الذي وصلت إليه هذه الدولة أو تلك، بل تحولت في العقود الأخيرة الماضية لجهة جاذبة للاستثمار، وتحولت بعض الإنتاجات الثقافية إلى سلع ثقافية يعاد إنتاجها ويتم تداولها عبر خطوط تجارية أو صناعية، وتعتمد في ذلك على استراتيجيات ثقافية ترتبط باعتبارات اقتصادية ذات أهمية في التنمية الثقافية. وفي زخم هذا التحول ارتبطت الثقافة بشكل واسع بقطاعات اقتصادية مثل السياحة والصناعة…إلخ، حيث أضحت السياحة الثقافية جزءًا كبيرًا يمثل قيمة مضافة في ظل التنافسية العالمية على اجتذاب السائح؛ لذا تسعى بلدان المعمورة قاطبة إلى حفظ التراث الثقافي بكافة جوانبه، خصوصًا جوانب التميز المتفردة، وتسعى من وراء ذلك من فرض ذاتها على الساحة العالمية والحضور في كافة المهرجانات والاجتماعات، نظرًا لأن الهوية الثقافية والتراثية للأوطان تحولت إلى ما يشبه العلامة التجارية.
لذا تتنافس البلدان على تسجيل كافة ملامح الهوية الوطنية، كنوع من إثبات حق الملكية الفكرية، وقد أسهمت منظمة اليونسكو في هذا التطور الأخير لرغبتها في حفظ الثقافة والتراث العالميين، وبعد أن كانت السلع الثقافية تتمحور حول الإعلام والنشر والتوزيع وغيرها من الوسائل التي أصبحت صناعات لها منتجاتها ولها وسائل توزيعها ولها مستهلكوها، دخلت الصناعات الحرفية الوطنية كنوع جديد من السلع الثقافية يتم التنافس على تسجيلها، والعمل على تنميتها، وتحويل قيمتها المعنوية إلى قيمة مادية، تباع وتشترى ويكون لها مردود ثقافي اقتصادي يصدر إلى جميع أنحاء العالم، ليعلم القاصي والداني القيمة التاريخية والحضارية لتلك الأوطان، وتعظيم الاستفادة المادية التي تنعكس على المردود الاقتصادي، وفتح أبواب الرزق أمام فئات كادت صناعتهم اليدوية أن تندثر بفعل انتفاء الجدوى مع دخول عالم التقنية، بل تصبح هذه الصناعات في حد ذاتها قيمة وطنية جاذبة اقتصاديًّا.
إن الإدراك السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لأهمية الهوية والثقافية وضرورة الحفاظ عليها، وفي قلبها الصناعات الحرفية التي اشتهر بها العمانيون على مدار تاريخهم التليد، جعل الحكومة تسعى منذ بواكير عصر النهضة المباركة إلى حفظ وصون التراث والثقافة العمانية، سواء بدعم أصحاب تلك المنتجات داخليًّا، عبر إنشاء جهة حامية لهم ممثلة في الهيئة العامة للصناعات الحرفية، أو من خلال فتح الأبواب المغلقة أمام تلك الصناعات محليًّا وعالميًّا، وذلك إيمانًا بدور هذه الصناعات في توفير فرص عمل، خصوصًا للنساء داخل بيوتهن، كما تعد هذه الصناعات مصدرًا جيدًا للعملات الأجنبية بجانب دورها الفعال في تنشيط السياحة.
ولعل الدور الذي تلعبه الدولة في حماية صناعاتها الحرفية لم يقتصر على التدريب والتأهيل وفتح الأسواق، بل تخطى ذلك نحو السعي لدى الجهات العالمية لتوثيق الصناعات الحرفية العمانية، والعمل على تعريف تلك الجهات بأهم المدن التي تشتهر بها تلك الصناعات في البلاد، ونموذجًا لذلك هو ما ستشهده البلاد عبر زيارة وفد من مجلس الحرف العالمي يومي الـ21 والـ22 من يوليو 2019م، في إطار بدء أعمال التقييم الميداني لترشح ولاية بهلا بمحافظة الداخلية لنيل لقب مدينة عالمية للحرف، حيث يعد اختيار مدينة بهلا مدينة حرفية على المستوى الدولي لاستيفائها المعايير والاشتراطات الحرفية والثقافية والاجتماعية التي أقرها مجلس الحرف العالمي في منح لقب مدينة عالمية للحرف وفق رؤية استدامة التنمية وشموليتها، وهو ما سيصب في صالح الصناعات الحرفية العمانية والثقافة ككل، بل بشكل يتخطى ذلك إلى الاقتصاد.

إلى الأعلى