الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على المحك

على المحك

أ.د. محمد الدعمي

” .. أهم أعمدة الاستقرار التي ترتهن مصائر هذه الأنظمة ببقائها قائمة وبأمنها وحمايتها من الشروخ، هو “العمود الديني”، بلاريب. والموضوع هنا لا يتحدد فقط بنصوص دستورية تعلن أن الدولة الفلانية هي دولة مستقلة وأن دينها الرسمي هو الإسلام، ذلك أن أغلب هذه الأنظمة الحكومية عملت حثيثاً على تقديم نفسها للجمهور ولمواطنيها بصورة “حامية” حياض الدين والمدافعة الموثوقة عنه.”
ــــــــــــــــــــ

لامفر من أن يستبق المرء ثمة أزمة في انتظار العلاقات بين الدول الإسلامية عامة، من ناحية، وبين الولايات المتحدة الأميركية، من ناحية ثانية، ذلك أن من أطلق نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، عليهم عنوان “حلفائنا” الذين يمدون، أو كانوا يمدون شبكات الإسلاميين الجدد الإرهابية في المنطقة بالمال والسلاح إنما راحوا يشعرون بخطورة الدرك الذي استدرجتهم اليه هذه الشبكات. والأمر لا يتطلب المراوغة والنفاق السياسي فقط، وإنما هو قد يتطلب كذلك جهداً استثنائياً لإفهام الإدارة الأميركية بتعقيد الأمر من ناحية تاريخية.
وكما لاحظت في كتابي الجديد (تخنيث الغرب) بيروت 2014، فان أغلب الأنظمة القائمة في الدول الإسلامية إنما قامت وبقيت متواصلة على سدة الحكم اعتماداً على عدد مما سمي بـ”أعمدة الاستقرار” التي ارتهن وجود هذه الأنظمة ببقائها متماسكة وممسكة بهذا النظام أو ذاك.
وأهم أعمدة الاستقرار التي ترتهن مصائر هذه الأنظمة ببقائها قائمة وبأمنها وحمايتها من الشروخ، هو “العمود الديني”، بلاريب. والموضوع هنا لا يتحدد فقط بنصوص دستورية تعلن أن الدولة الفلانية هي دولة مستقلة وأن دينها الرسمي هو الإسلام، ذلك أن أغلب هذه الأنظمة الحكومية عملت حثيثاً على تقديم نفسها للجمهور ولمواطنيها بصورة “حامية” حياض الدين والمدافعة الموثوقة عنه. وهذا بالضبط مالم تلاحظه بعض الأنظمة ولم تقدمه على نحو يقنع مواطنيها بأنها “مخلصة”
و”وفية” لرسالتها المهمة في حماية الدين وحمل لوائه، لذا فقد سقط ذلك البعض لأنه خذل صورة “حامي الدين”.
وإذا كانت معظم الأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية عامة قد مررت هذه الصورة إلى شعوبها لعقود طويلة منذ استقلالها حتى السنوات الأخيرة، فان هذه الصورة إنما كانت تتطلب العديد من الإجراءات التي تكملها بخطوطها وألوانها بوصفها صورة الدولة المدافعة عن الدين، وهي صورة تتطلب السماح بأي نشاط ديني من شأنه مساعدة المسلمين (في كل مكان) على “التحرر” وعلى محاربة الفقر والكفر والعلمانية، إلى آخر قائمة الأعمال الدينية أو “الخيرية” التي سمحت بها الحكومات وأجازتها، بل وتفاخرت بها بين سواها من دول العالم الإسلامي الأخرى. يبدو أن لهذه الصورة وترويجها ورواجها آثاراً سلبية لم تكن محسوبة: فاذا ما كانت هي قد مررت ملايين الدولارات إلى المنظمات الإرهابية الفاعلة هنا أو هناك على شكل تبرعات تحت ظل لافتة الحفاظ على الدين، فان هذا النوع من التبرعات والأعمال الخيرية البريئة لايمكن أن يكون مقبولاً من قبل العالم الغربي، خاصة بعد أن تأكد للأميركان بأنه قد ترجم باصطلاح إرهابي وصدامي من نوع غير النوع الذي كانت الأنظمة تريده أو تتوقعه. وهذا هو جوهر الإحراج.
وإذا كان الأمر قد وصل حداً خطيراً لدرجة دق اسفين بين تلك الدول والولايات المتحدة الأميركية، فان حكومات العديد من هذه الدول لابد أن تجد نفسها ممزقة بين صورتين:
(1) صورة ناصرة الدين والمدافعة عنه، من ناحية، و(2) صورة الدولة المتحضرة، القابلة للتقدم والتي تقارع الإرهاب، وهي الصورة المسوقة إلى العالم الخارجي، خاصة إلى العالم الغربي.
الآن تضع المنظمات الإرهابية التي تلبس لبوس الدين أنظمة العديد من الدول الإسلامية على محك الاختبار: بين صورة راعي الدين وحاميه، وصورة صديق واشنطن الصدوق الذي لا يمكن أن يصافح الأميركي بيد ويطعنه بخنجر بالأخرى!

إلى الأعلى