الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التنمية البشرية .. العلاج بالوهم

التنمية البشرية .. العلاج بالوهم

فوزي رمضان
صحفي مصري

أن تصبح مدربا للتنمية البشرية، هو الأمر الذي لا يتطلب الكثير من المجهود، يكفي (كورس) مدته 36 ساعة تدريبية فقط، لتصبح محاضرا معتمدا، ومع إضافة كلمة دكتور قبل الاسم، وتذيله بشهادات فخمة من جامعات وهمية، ثم عمل صفحة على الفيس بوك تستعرض فيها صولات النجاح ومعاناة اعتلاء القمة، ومع (اللايك) و(الشير) تنهال عروض المحاضرات، ومع بعض من الإعلانات لعناوين فخمة تدعو السذج للتنفيس عن غضبهم، حينها تنهال طلبات الحجز وجمع الأموال.
إنه عالم بيع الوهم والأمل الكاذب، يقنعون مريديهم بأن المشكلة ليست في ضعف مؤهلاتهم، بقدر عدم قدرتهم على التعامل مع المجتمع، يقنعونهم بأن الدجاجة قادرة على الطيران مثل النسر، والمطلوب فقط الثقة في النفس، يوهمون الحضور بأن الاستماع إلى نصائحهم يدر عليهم النجاح، ويرفعهم إلى عنان السماء، لباسهم الأنيق وطريقة الدخول إلى المحاضرة وبعض الأكاذيب التسويقية التي تبهر الجميع، ومع اللعب بأحلام حضور الجلسة، وطريقة استخدام الجزاء النفسي، والاعتماد على مفهوم الصعود بالمشاعر حتى مستوى العقل، مع الإيحاء بإخراج القدرات الخفية للإنسان، والتركيز على منطقة الألم، يقل شعور الحضور بالإحباط تماما مثل جرعات المسكن الذي يتحول فيما بعد إلى حالة الإدمان.
معظمهم غير مؤهلين يحاضرون في أي مجال، ليخرج المتدرب ببعض الحماسة وبعض من الفكاهة، إنهم ملوك التلاعب بالكلام، سواء بالمحاضرات أو العناوين البراقة مثل (كيف تعامل زوجتك؟) (أطلق مارد طموحك) (أنت إنسان جميل) وكثير من الكتب التي تحمل أسباب السعادة، وقوة التأثير على الآخرين ومفاتيح الثروة، والناس غالبا يريدون شخصا يبيع لهم الوهم؛ أشياء أشبه بالمخدرات، ومع أول صدام بالواقع يذهب تأثير (الكورس) وتبقى المشكلة.
الشباب هم الشريحة الكبرى المستهدفة لمدربي التنمية البشرية، حيث يزداد لديهم هرمون الخوف والقلق، وضعف الثقة بالنفس والرعب من الفشل؛ هنا يجدون ضالتهم لاصطياد زبائن فاقدين الأمل، الرغبة لديهم في النجاة كغريق يتعلق بقشة، هنا يظهر مدربو التنمية البشرية ويدَّعون قدرتهم على العلاج الاجتماعي أو النفسي، متخطين التخصص الطبي في هذا المجال. فأسلوب عرضهم الأنيق والشحنة القوية التي يصدرونها إلى الحضور تجعلهم ـ وخصوصا الشباب ـ لا يهتمون كثيرا بمعرفة حقيقة النجاح الذي يقوم على الجهد، والمحاولة والعمل والمعرفة، حتى باتت استراتيجية التنمية البشرية عديمة الجدوى، وليست مجرد نصائح بقدر ما هي أساليب مفعمة بالأكاذيب، والحصول على الرضا الوهمي والشبع النفسي.
إنهم يجلبون للمتدربين النجاح والتفوق دون الحاجة لمغادرة مكانهم، وتجعلهم يعيشون نشوة الأمل المنتظر، والمستقبل المشرق دون عناء ولو خطوة واحدة، وكأن الحصاد يأتي بالتمني وأن النجاح يشترى من العطار؛ إنهم نماذج من البشر نهجوا السخرية من العقول، والتي اكتفت بتخدير البشر بمعسول الكلام والجمل الرشيقة والملابس المنمقة.
عوضا عن ذلك يمكن توفير ثمن دعوة حضور جلسة التنمية البشرية، وممارسة التمارين الرياضة مجانا في مجلسك، بذلك يمكن تقليل الشعور بالاكتئاب، وتجديد النشاط والدورة الدموية، أو الخروج في رحلة سياحية مع من تحبهم كفيل بتغيير حالتك النفسية والمزاجية، وبدلا من حركات (الايروبيك) التي تشبه غسيل أدمغة الناس وتوهمهم بالعلاج، لو استمعت إلى ذات الموسيقى الملحمية أو الهادئة وأنت جالس في مكانك كفيل بأن تحسن نظرتك للأمور وتدفعك للتفكير بإيجابية.
فلم تعد مقولتهم ـ المال لا يشكل حافزا للنجاح ـ ناجعة. فقد أكدت الدراسات العلمية أن الدماغ البشري يعمل بشكل أسرع حين ترصد له مكافأة، وأن المال ينشط المحفزات في الدماغ مباشرة. كما لم تعد مقولة (الاستمتاع في العمل سر النجاح) ذات جدوى بعد أن ثبت أن معظم البشر يعمل في وظائف لا يطيقونها، ومع ذلك أمورهم مستقرة. كما أن عبارة (تجنبوا الصراعات) باتت غير منطلية على غالبية الأعمال، التي تشهد رغما عن الجميع الصراعات والتنافس الشرس.
وإذا كان خبراء التنمية البشرية قليلهم صادقا ونافعا بعض الوقت، فإن غالبيتهم يسوقون الأكاذيب، ويبيعون الوهم ومعسول الكلام، حتى باتت مهنة مدرب تنمية بشرية طريقا مختصرا للنجاح والشهرة، بل للتربح والثراء، وسلعتهم في ذلك بيع الوهم.

إلى الأعلى