الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: من يحمي الأسرة؟

في العمق: من يحمي الأسرة؟

د. رجب بن علي العويسي

يأتي طرحنا للموضوع في ظل معطيات الواقع الاجتماعي، واتساع ظاهرة الجرائم الأسرية في السنوات الأخيرة، والتي أفصحت عن حالة الاختلال الحاصل في العلاقات الاجتماعية العائلية والأسرية، وترسب كمية كبيرة من الكراهية والعداوات والأحقاد والحسد والبغضاء الذي يملأ نفوس بعض الأسر والعائلات على بعضها، فبعد أقل من شهرين على حادثة وفاة امرأة وطفلين حرقا في منزلهم بمنطقة، حتى يستفيق مجتمعنا على وقع حادثة أخرى بارتكاب مواطن جريمة قتل لمواطنين أخوين في منطقة أخرى، في سابقة خطيرة تنذر بتبعاتها المؤلمة على الاستقرار والأمن الأسري والوطني عامة، وما يطرحه هذا الحال من تساؤلات حول من يحمي الأسرة العمانية من هذه المخاطر التي تهددها إذا ما نظرنا إلى أن مبعثها من الأسرة أو العائلة أو أبناء الوطن أنفسهم؟ ومن المسؤول عن مثل هذه الممارسات على الرغم من وضوح التشريعات والعقوبات التي أقرها قانون الجزاء والقوانين الأخرى ذات العلاقة في هذا الشأن؟ وما المطلوب في سبيل سرعة الاستجابة لوقاية الأسرة من هذه الجرائم التي باتت تمارس اليوم عبر أدوات متعددة وأساليب مختلفة تستقذرها الطباع الحسنة والفطرة السليمة وتعبّر عن أنانية النفس ووحشيتها وهي تمارس هذه الأفعال المقيتة والسلوكيات المنحطة؟ وبالتالي ما يتركه حجم هذا السلوك من تأثير سلبي على الشعور الاجتماعي والثقة بين أبناء الأسرة الواحدة، وما يخلّفه من عداوات ومشاحنات تولّد أساليب جديدة في الترصد والتربص والثأر والابتزاز والاعتداء الجسدي وانتهاك الحرمات والإيذاء النفسي والتشهير بالأعراض والسمعة وغيرها، وما يسببه في زيادة التصدع الاجتماعي والتفكك العائلي، في انتهاكات صارخة لحقوق الوالدية والأسرة، وتهميش لدورها، وعندما توأد الأسرة في حياتها وأعراضها وسعادتها وأمنها وتعرّض حياتها للخطر؛ عندها ستكون العواقب مكلفة والنتائج مرهقه لأنه يرتبط بفكر الإنسان وقناعاته وتصحيح عقيدته في هذا الشأن.
لقد أشار النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (101/96) في بعض مواده ومنها المادة (12) المبادئ الاجتماعية، إلى مواد تشريعية تحمي الأسرة وتحفظ كيانها وتؤسس لحضورها وموقعها في السلم الاجتماعي الوطني، حيث أشار إلى ما نصه: “الأسرة أساس المجتمع، وينظم القانون وسائل حمايتها، والحفاظ على كيانها الشرعي، وتقوية أواصرها وقيمها، ورعاية أفرادها وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم”؛ وأورد قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (32/97) الأحكام والتدابير اللازمة للحفاظ على الأسرة ورعايتها والتعامل مع كل المنغصات والمقلقات التي تسيء للأسرة وتشل حركتها وتضعها في حالة الضعف والهوان، بما يؤكد أولوية البحث عن تدابير وقائية تتخذها مؤسسات الدولة المعنية برعاية الأسرة وحمايتها عبر سن التشريعات اللازمة والخطط والاستراتيجيات الوطنية الموجهة لحماية الأسرة والمحافظة على كيانها، والتي تمنع تعريضها لأي انتهاكات أو انتكاسات سيكون لها أثرها على البناء الأسري والتكوين الداخلي للمجتمع، ويصبح تكثيف الاهتمام بها أولوية يجب أن تحظى المتابعة والتشخيص المستمر واستقراء الواقع عبر نواتج القضايا المحالة إلى الادعاء العام والمحاكم والقضاء، بما يضمن حماية الأسرة العمانية من موجة الخروقات التي باتت تخترق جدرانها وتفكك منصات التكامل فيها، وتزيد من حالة العداوة والشحناء والتربص بين أفرادها، فإن ما يحصل في واقعنا الاجتماعي العماني من مشكلات أسرية أخرى تبرز في زيادة حالات الطلاق وانتهاك الحرمات والعقوق والاعتداء الجسدي والمرافعات أمام المحاكم بين أبناء الأسرة الواحدة، وضعف العلاقات الاجتماعية وقطيعة الرحم، وضعف الإحسان للوالدين وممارسات تتعلق بالدين والعرض والعقل والمروءة والأخلاق؛ إنما هي ترسبات وتراكمات لاختلالات في الواقع الاجتماعي، تبرز هشاشة العلاقات الاجتماعية وضعفها وتنذر بمستقبل مشؤوم وسلوك شائن، يستدعي سرعة العمل على إيقافه والبحث عن مسبباته وأسبابه، والاستفادة من كل المؤشرات الإحصائية الاجتماعية حول الأسرة للوصول إلى قراءة وطنية معمقة لهذه الجرائم ودراسة حالات الأشخاص الذين يمارسونها ويقفون خلفها والملامح التي تبرز في شخصية الجناة وكيف يمكن اتخاذ إجراءات استباقية رقابية وتأديبية عليهم قبل تنفيذ مخططاتهم المسمومة وسلوكهم العاهر.
ولسنا هنا بصدد سرد تفاصيل المؤشرات الاجتماعية الأسرية في الجريمة، فقراءة لبعضها تظهر ووفق ما أشارت إليه إحصائيات الادعاء العام حتى النصف الثاني السنوي لعام 2018م، من أن عدد الجنايات والجنح التي باشرها الادعاء العام بلغ 012.275 جنحة، وشكلت ما نسبته 94.1%، وبلغ عدد الجنايات (590) جناية شكلت ما نسبته 4.5%، كما بلغ عدد المتهمين من العمانيين في القضايا الواردة للادعاء العام مجتمعة في تلك الفترة 8617 من الذكور البالغين و(667) من الإناث البالغات. وأشارت إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، إلى أنه تقع حوالي 3 جرائم لكل 1000 من السكان في السلطنة، وقد بلغ التوزيع النسبي للجناة العمانيين في عام 2017 (47%) عمانيا، كما أظهرت مؤشراتها زيادة نسبة الجرائم في عام 2017 عما هو عليه في عام 2016، بلغت نسبتها 4.8%، حيث بلغت 14826، وأن مؤشرات الجرائم الواقعة على الأفراد كأحد تصنيفات الجرائم، من حيث مؤشرات عدد الجرائم، بلغت في عام 2017(2.959) جريمة، أما من حيث الجناة فقد بلغ عدد الجناة في الجرائم الواقعة على الأفراد في عام 2017(4.097).
لقد شكلت جرائم القتل اليوم تحديا على الأمن الأسري والاجتماعي والوطني، فمسألة البحث عن معالجات لوقاية الأسرة من مخاطر التأثيرات الخارجية كالتقنية ومنصات التواصل الاجتماعي والفضائيات الإعلامية وغيرها، بات هناك ما يسبقها في أولوية المعالجة والبحث، فبدل أن يكون المواطن وابن الأسرة عونا لأسرته على وقايتها من المخاطر المحيطة بها، آخذا بيد أبنائها لما فيه خير أنفسهم ومجتمعهم ووطنهم، أصبح ابن الأسرة وأبناء المجتمع هم أشد الأعداء لأسرهم ومجتمعهم وأمن وطنهم، وهنا يصبح التحدي أكبر والمعالجة تتطلب المزيد من النوعية والعمق والقوة في اتخاذ التدابير وانتقاء الأدوات واختيار المهمات، ولا أدل على ذلك من أن نواتج هذه الجرائم أصبحت تلقي بظلالها السلبي والمقيت على هوية الشخصية العمانية، لتشكل صورة مريبة قاتمة، تفصح عن وجود احتقانات داخلية وسلوكيات مريبة، تضع الأسرة أمام تحولات خطيرة ومنعطفات مغايرة، وفجوة حاصلة بين ما تنادي به من قيم الأسرة وثقافتها، والاهتمام بها ورعايتها في مواجهة معطيات جديدة عكست نمطا متذبذبا في المنظومة القيمية والأخلاقية والمبادئ الأسرية؛ خصوصا في ظل طبيعة هذه الجرائم والتي اتخذت أشكالا جرمية تتنافى مع هوية الإنسان العماني والسمة الحضارية فيه، وتلقي بظلالها على مسألة بناء الأسرة العمانية والعلاقات الوالدية مع الأبناء ومفهوم الحوار الأسري، وما صاحب اتساع نطاق هذه الحالة من صعوبة المعالجة الفورية والحاجة إلى ممكنات أقوى في استعادة الفاقد القيمي والأخلاقي الذي صاحب التعاطي مع هذه الجرائم، في ظل تراجع مكانة الضبط المجتمعي وقوة وسائل التأثير الأسرية الخارجية من الأعمام والأخوال أو الجيران أو غيرهم، فإنها في الوقت نفسه دعوة لقراءة الجرائم الأسرية في إطار وطني، تتشارك فيه المؤسسات الضبطية والقانونية والقضائية والشرطية والادعاء العام ومؤسسات الإصلاح والتعليم والإعلام والرعاية الاجتماعية ومؤسسات الشباب والرياضة والمؤسسات الدينية والجمعيات الخيرية واللجان الشبابية ومكاتب الولاة ولجان التوفيق والمصالحة، بالإضافة إلى دور أعمق للمؤسسات التشريعية بالدولة في اقتراح مشروعات القوانين أو مراجعة مشروعات قائمة وإعادة قراءتها من جديد، مستجيبة للتحولات الخطيرة في المشهد الأسري العماني، ونواتج هذه السلسلة من الجرائم واتساع نطاقها مؤخرا، ولعل من بين الأولويات التي نعتقد بأهمية أن تحظى بالمراجعة؛ إعادة تصنيف الجرائم في الإحصائيات الشرطية الرسمية، التي لم تشر صراحة إلى جرائم الأسرة كتصنيف مستقل بذاته، بل أدخلتها ضمن التصنيفات الأخرى كالجرائم المتعلقة بالأفراد والعرض والأخلاق العامة والجرائم الأخرى، بما يؤكد الحاجة إلى تفصيل أدق في هذه التصنيفات وإعطاء النوع الاجتماعي في نطاق الأسرة موقعه الواضح فيها، باعتبارها مؤشرات يمكن أن تتيح للمختصين والباحثين في قضايا الأمن الاجتماعي والأسري، الوصول إلى محددات مهمة في التعامل مع جرائم الأسرة، وما يمكن أن توفّره من استقراءات أخرى مرتبطة بحالات الطلاق والخلافات الأسرية، بالشكل الذي يوفر مساحات أكبر لتشخيصها وإعادة تقييم بنودها، وحشد تفاعل مجتمعي واضح في معالجة الجرائم التي تقع ضمن هذا الإطار، فمع أن التقديرات الإحصائية لم تحدد بالتفصيل نوع الجرم الحاصل في تناولها لهذا الجانب؛ إلا ما أشارت إليه من جرم التهديد والقتل العمل وتعمد الانتحار والسلوكيات الأخرى المرتبطة بهذه الجرائم كاستخدام سلاح أبيض مثل: السكين أو الخنجر أو أي أداة حادة، أو طلق الرصاص بسلاح ناري أو بأي وسيلة تحقق الغرض الناتج بقصد أو بدون قصد، أو الحرق بكل الوسائل المعروفة، يؤكد الحاجة إلى إعادة النظر في هذا التصنيف ووضع الجرائم الواقعة على الأسرة من قبل أبنائها، كأحد التصنيفات التي سوف تسهم في إثراء البحث في مسببات هذه الجرائم وأسبابها، وتقف على موقع الخطورة فيه، وتقترح المعالجات التي تضمن التعامل الواعي مع هذه المنغصات على حياة الأسرة قبل استفحالها.
وعليه، فإن تعدد هذه الحالات وتنوع الأدوات التي تستخدمها واتساع انتشارها في مناطق السلطنة المختلفة، تضع اليوم جميع مؤسسات الدولة أمام سرعة تبني استراتيجية وطنية لحماية الأسرة والمحافظة على الكيان الأسري من موجهة التشوهات التي باتت تخفي وراءها صورة قاتمة عن الواقع الحقيقي والسبب الفعلي للمشكلة، وباتت تحمل تبعات أخرى على المدى البعيد كحالات الانتقام والثأر والاعتداء الجسدي ومحاولة المساس بالسمعة والتشهير بشرف الزوجة أو الزوج في المحاكم وأمام منصات القضاء، وما تستدعيه من برامج وخطط وبدائل وسياسات وسيناريوهات ومعالجات تؤسس لقيم الخيرية في الأسرة وتصنع منها تشريعات تحمي الأسرة وتحفظ كيانها وتؤسس فيها مسارات القوة وتؤهل أبنائها للتعامل مع المشكلات الحاصلة، وتفعيل دور المؤسسات ذات العلاقة ولجان التوفيق والمصالحة ومؤسسات الإصلاح والسجون والمدارس والجامعات وجمعيات المرأة العمانية في كل ما من شأنه أن يُبقي خيوط التواصل الأسري والاجتماعي قائمة مشدودة في ثباتها وقوتها وعمقها، والاستفادة من الرصيد الديني والقيمي والأخلاقي الديني في تعميق المبادئ الأسرية والتعامل مع التباينات الحاصلة في الأولويات، بما يعني امتلاك ممكنات أكبر في مواجهة المؤثرات والمقلقات الأخرى الخارجية التي باتت تؤدي دورا محوريا في تشكيل نمط الأسرة، والإشكاليات الناتجة من سوء توظيف منصات التواصل الاجتماعي، وحالات الإفصاح أو إشاعة الخصوصية الأسرية في هذه المنصات وما تبعها من حالات الابتزاز الإلكتروني أو غيرها من الممارسات التي تعاني منها الأسرة وتشكل في مجملها خيوطا متقاطعة يجب العمل على إعادة رسم معالمها من جديد وتصحيح مواقعها بما يحمي كيان الأسرة العمانية، فإن المأمول أن تتفق كل الجهود على إعادة مراجعة التشريعات الموجهة للأسرة خصوصا ما يتعلق منها بالعقوبات والجزاءات الجرمية في الانتهاكات التي تمت في حق الأسرة، لتشكل رادعا يحمي الأسرة ويوفر أرضية واسعة لفرص الحوار والتعايش والتكامل والتكافل بين أبنائها.
إننا اليوم أمام معطيات جديدة يعيشها واقعنا الاجتماعي العماني، وهي معطيات لا تحتمل التأجيل في دراستها ورصد واقعها وقراءة ما بين أسطرها من آلام وأحزان ومنغصات، أو أمال وطموحات، تستجلي فيها محطات التغيير وإعادة الأمل، وما لم يتم الوقوف على هذا الواقع بمهنية وتكاتف الجهود وإعادة النظر في أي قصور في التشريع، والاستفادة من الوقائع المؤلمة السابقة، فإن الأمور ستتجه إلى ما هو شائن، ويصبح هذا السلوك أمرا مستساغا لدى البعض؛ وعليه نؤكد اليوم على أن الأسرة العمانية بحاجة إلى توفير أعلى درجات الحماية والرعاية لها، وضمان أن الممارسة الأسرية تعبر عن منطلقات إيمانية واجتماعية عززتها قيم الدين وهوية الإنسان العماني، كما أن الوقوف على ما بداخل البيوت في هذا الجانب بات إحدى المهام التي يجب أن يعيها التشريع ويدرك مغازيها من خلال ما يظهر من مؤشرات ظاهرية وأعمال تخريبية بدأت تنتهك حرمات الأسرة وتودي بحياتها، فهل ستسهم التحقيقات الحاصلة في قضايا القتل الأخيرة، والسلسلة الممتدة من الانتهاكات والإجرام الأسري؛ في عمل وطني قادم يحمي الأسرة العمانية، وينتشل إنسان هذا الوطن من هوة السقوط الشائن في مستنقع الإجرام ووحل الكراهية وشذوذ السادية؟

إلى الأعلى