الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (23)

مبنى المنظومة الحقوقية في الإسلام (23)

اعداد ـ هلال بن حسن اللواتي:
اتفقت كلمات علماء الكلام أن )الاحكام تتبع المصالح والمفاسد(،(البيضاوي: تفسير البيضاوي:1: 500(: ).. أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها)، (الخراساني: فوائد الأصول: 4: 455):(.. أن الأحكام الشرعية إنما تتبع المصالح والمفاسد النفس الأمرية)، (البجنوردي: منتهى الأوصل:2: 69):(.. لأن الإرادة والكراهة تتبع المصالح والمفاسد ..)، بتقريب: نجد أن هناك تابع ومتبوع، فبما أن الأحكام تتبع المصالح والمفاسد فإن هناك إذن متبوع في البين، وما هذا المتبوع سوى هذا الكائن وهذا الإنسان، حيث أن وجوده متقدم على وجود ووضع الأحكام، فتكوينه الخَلقي كان بنحو يتطلب وضع أحكام تتلائم وتنسجم مع ما عليه ذاته التكوينية، ولهذا نقول أن هذه الذات أصبح منتزعاً للأحكام المختصة بها، وفي الوقت نفسه مصباً لها حسبما عليه احتياجها الذاتي التكويني، وقد فصلنا هذا المطلب بقولنا أن المنظومة الحقوقية في الإسلام تنظيمية وليس تأسيسية، وبينا الفرق بين المفهومين، كما أننا فصلنا المطلب في (علم النور) وملخصه هو: حيث بينا أننا عندما نتعامل مع “الماء” فتارة نتعامل معه بنحو مزاجي، فنضع له أحكاماً من تلقاء أنفسنا سواء واقفت الطبيعة المائية أم لم توافق، كأن نقول: أن الماء جامد، وأن الماء متكلم، وأن الماء ملون، غير أن الواقع الذي نشاهده يخالفنا هذا الرأي، فلأجل أن تكون الأحكام التي نتعامل بها مع هذا الموجود “الماء” لابد أن نتبع الخطوات المهمة وهي: أولاً: دراسة الماء، وثانياً: الوقوف على أحكامه، وثالثاً: انتزاع الأحكام من هذه الطبيعة التي هو عليها هذا الماء، ورابعاً: وضع هذه الأحكام المنتزعة في صياغة بيانية، وخامساً: تعميم هذه الأحكام ونشرها.
فنلاحظ في هذه العملية المنهجية التي مرت بنا أن دورنا قد انحصر في معرفة الطبيعة المائية، وفي معرفة الأحكام التي تختص بها هذه الطبيعة المائية، وفي وضع صياغة بيانية والتي تتطلب مهارة خاصة، وهذا ما نعبر عنه بالدور التنظيمي لتلكم الأحكام وفق صياغة معينة خاصة، فلم يكن لنا أي دور في تأسيس هذه الطبيعة المائية من أصل، لأن وجود الماء متقدم على وضعنا لما تتلائم وتتفق وتنسجم معه من الأحكام.
وهذا المنهج غير مختص بالماء بل هو يشمل كل شيء نتعامل معه، وهكذا الحال مع الإنسان، فإن طبيعته التي صمم عليها تستدعي وتتطلب تعاملاً وفق ما هي عليه هذه الطبيعة من تكوين خاص، فمثلاً، نجد أن بدن الإنسان لا يتمكن من تناول التراب والحجر كطعام، والسبب هو لأن طبيعة البدن لا تتحمل مثل هذه الأشياء كطعام، فإنها تؤثر فيه وبشكل سلبي يصل مداه إلى هلاكه، وهنا نتساءل: هل الإنسان هو من وضع هذه الطبيعة للبدن؟!، الجواب بداهة هو: كلا، وهنا نتساءل مجدداً: فالأحكام التي ستوضع لهذا البدن هل ستؤسس من قبل الإنسان في مختبراته أم أنها تنظيمية ليس إلا؟!، الجواب بداهة هو: إن الأحكام التي سيضعها الإنسان لهذا البدن، وموضحاً كيفية التعامل معه ستكون تنظيمية، لأنها سوف تنتزع من حاق وجوده، وستراعي ذاته التكوينية، ومن هنا قلنا أن المنظومة الحقوقية لهذا البدن ينبغي أن تراعي ما عليه هذه الطبيعة البدنية لأجل صياغة بنود الحقوق له، فهذه البنود الحقوقية لن تكون مؤسسة لطبيعته التي هو عليها، بل ستكون تنظيمية ليس إلا، ومعناه أن الأحكام ستنتزع من هذا البدن وطبيعته التكوينية، ومن صميم ذاته الخَلقية، وسيكون دور الإنسان مقتصراً على صياغة تلكم الأحكام بصياغة دقيقة مناسبة، فهل القوانين التي وضعها الإنسان اتبعت هذا المنهج أم لا؟!، إلا أننا نجد أن المنظومة الحقوقية في الإسلام غير مفروضة على الإنسان ولا على الكائنات بل هي منتزعة منه أو منها، مراعية للاحتياج الذاتي له أو لها المرافق لذلك التكوين الخَلقي وذلك التصميم الصناعي له أو لها.

إلى الأعلى