الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تركيا وأميركا.. رغبة وقلق

تركيا وأميركا.. رغبة وقلق

أيمن حسين

تسلّمت تركيا يوم الجمعة الماضي أول شحنة من منظومة صواريخ (S-400) الروسية، لتضرب بالتحذيرات الأميركية عرض الحائط، ولا تبالي بتهديدات واشنطن لفرض عقوبات على أنقرة في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي، وعلى خلفية ذلك أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب صفقة الطائرات المقاتلة (F-35) التي كانت تركيا بصدد شرائها من الولايات المتحدة.
إقدام النظام التركي على إبرام صفقة الصواريخ مع روسيا أثار استياء الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، وارتجفت منه إدارة البيت الأبيض، وهو ما عبر عنه ترامب يوم الثلاثاء الماضي في تصريحات تليفزيونية ـ نقلتها شبكة سي إن إن ـ بقوله “لأنهم يملكون منظومة صواريخ صنعت في روسيا، فهم محرومون من شراء أكثر من 100 طائرة، أود أن أقول إن شركة Lookheed ليست سعيدة، فهذا يعني خسارة الكثير من الوظائف، وبكل صدق، لطالما كانت علاقتنا جيدة جدا”، وأضاف: “ما نقوله لتركيا الآن هو: لأنكم أجبرتم على شراء منظومة صواريخ أخرى، لن نبيعكم مقاتلات F-35″، وتابع قائلا: “إنه وضع صعب بالنسبة لهم وقد وُضعنا في وضع صعب، ومع قول ذلك، نحن نعمل على تجاوز الأمر، وسنرى ما سيحدث، ولكن هذا ليس عادلا”.
الهواجس الأمنية لدى واشنطن تزايدت عقب إعلان الصفقة، ويبرر ذلك حسرة ترامب وهو يتحدث عن خطأ إدارة بلاده السابقة التي رفضت بيع صواريخ باتريوت لأنقرة، وقال إن الوضع الجديد بعد شراء الصواريخ الروسية يفرض عليهم وقف بيع طائرة يبلغ ثمنها مليارات الدولارات.
حلف الأطلسي أيضا حذر تركيا من امتلاك الصواريخ الروسية لأنها تتعارض مع أسلحة الحلف ومنها المقاتلة (F-35)، ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول بحلف الناتو مخاوفهم من اتفاق التعاون العسكري التركي الروسي، وقال “العمل المشترك لقواتنا المسلحة أمر أساسي للحلف الأطلسي من أجل تسيير عملياتنا ومهماتنا”، كما واجه وزير الدفاع الأميركي الجديد مارك اسبر وزير الدفاع التركي على هامش اجتماع للحلف الأطلسي الشهر الماضي ونقل له مخاوف واشنطن.
معروف عالميا أن حلف الناتو تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية رغم وجود تخمة في عضوية الدول الأوروبية، وأن مخاوف الأطلسي لا تعدو كونها مخاوف أميركية تتوارى في الحلف لتدعم التوجهات الأميركية، وترى واشنطن أن الخطر بمستقبلها التسليحي يتزايد جراء تمرير الصفقتين معا، الصواريخ الروسية والطائرات الأميركية.
بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية ومحاولات أنقرة إثبات قدراتها الاستراتيجية في المنطقة، فإن قراءة المشهد يمكن منها استنباط وازع الخوف الأميركي، والذي تتلخص أهم عوامله في خوف الولايات المتحدة من خبراء موسكو أثناء قيام المشغلين الروس بتدريب العسكريين الأتراك على المنظومة الصاروخية، وحال وجود المقاتلات الأميركية فإنهم سيتمكنون من كشف أسرار تكنولوجية خاصة بها؛ لكن في نفس الوقت ترغب إدارة ترامب في تمرير الصفقة وجني مليارات الدولارات التي تسهم في إنعاش الاقتصاد الأميركي.
أضف إلى هذا أن تركيا لا تستثني نفسها من القدرات التسليحية فهي تريد الجمع بين السلاحين الروسي والأميركي لتكتسب ميزة نسبية في عملية سباق التسلح التي تهيمن على العالم في السنوات الأخيرة، وفي ظل تصاعد التوترات بالمنطقة، كما أنها أصبح لديها منظومة تصنيع عسكري متطورة وأنتجت طائرات ودبابات ومدرعات وغيرها من الأسلحة القتالية المتطورة، أضف إلى هذا إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على السير في تنفيذ الصفقة الروسية وعدم اكتراثه بالعقوبات الأميركية، فهو يدرك أن القلق الأميركي مقدور عليه حال عقد صفقة اقتصادية مع ترامب بالتوازي مع تمرير صفقة المقاتلات؛ لكن الفرصة لا يمكن لأنقرة أن تتركها، فهي تمنحها قوة دفاعية إضافية وتعزز سلاحها الهجومي.

إلى الأعلى