الأحد 15 ديسمبر 2019 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إيران وتركيا وإسرائيل

إيران وتركيا وإسرائيل

د.احمد مصطفى

يؤدي الشرخ الحالي في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، لأسباب عديدة أحدثها استيراد تركيا منظومة صواريخ روسية بدلا من أميركية، إلى تطور مهم في المنطقة يلعب دورا أساسيا في تشكل تحالفاتها وخريطة القوى فيها. وسواء فرضت واشنطن عقوبات على أنقرة أم لا، أو كانت العقوبات واسعة النطاق أو مجرد عقوبات على شخصيات وجهات، فإنها لن تكون سوى مجرد خطوة رمزية تضيف مشاكل تركيا الاقتصادية. وتزامنت حدة مشاكل تركيا الاقتصادية مع بدء الولايات المتحدة إعادة العقوبات على إيران العام الماضي، مما ضاعف من عمق أزمة تركيا الاقتصادية لاعتماد إيران عليها في الالتفاف على العقوبات. ولم تفلح وعود الاستثمار القطرية في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية في تركيا، التي تواصل عملتها الانهيار فيما هي مطالبة بأقساط وفوائد ديون بعشرات مليارات الدولارات فيما عملتها في الحضيض.
ربما تكون تركيا أفضل نسبيا، نظريا على الأقل، من وضع إيران الاقتصادي الممزوج بتوتر عسكري في الخليج ونذر حرب يمكن أن تندلع في أي لحظة رغم كل حسابات ضبط النفس. لكن الوضع السياسي في تركيا أسوأ كثيرا من إيران، التي رغم كل شيء لا تبدو هناك أي تصدعات في قيادتها السياسية. بينما حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يمر بأشد لحظاته ضعفا منذ وصوله للسلطة مطلع القرن. وإذا كانت الضغوط الأميركية جعلت أطرافا كثيرة تتحسب في علاقاتها مع إيران أو التعامل معها، خشية العقاب الأميركي، فإن تركيا تخسر الكثير مما راهنت عليه، وما تدخلها العسكري في سوريا وليبيا إلا محاولات يائسة لحرف منحى تدهور علاقاتها الخارجية بالقوة المسلحة. وحتى احتمال زيادة التعاون التركي الإيراني ليست مطروحة الآن بالشكل الذي كانت عليه قبل الاتفاق النووي الإيراني مع القوى العالمية في 2015.
ففي ذلك الوقت، وبينما كانت إيران تعاني من عقوبات دولية وأوروبية وأميركية استفادت تركيا من تعزيز علاقاتها بإيران لتحصل على نفط وغاز بأسعار تفضيلية وتتكسب من مساعدة إيران في التعامل مع العالم ماليا وذلك عبر الذهب مثلا. كذلك كان التنسيق الإيراني التركي (بالتعاون مع روسيا) في الأزمة السورية يشهد تقاطعات أكثر من الخلافات. لكن ذلك تغير الآن، ولم تعد إيران ترغب في الاعتماد على تركيا لأسباب عديدة منها بالأساس تقلبات اردوغان وعدم ثقة الإيرانيين بأي طرف متقلب إذ إن ظروفها الحالية تجعلها تطلب “الولاء التام” في أي تعامل معها أو حسابات المصالح البراجماتية التي لا تؤثر فيها تقلبات مزاجية سياسية.
خلاصة القول إذًا إن إيران وتركيا حاليا في مرحلة حرجة قد تقود بهما إلى أن يصبح وضعهما غير قابل للإصلاح وبما يؤثر بالطبع على وضعهما في الإقليم. وحتى سنوات قليلة، وبعد تدمير العراق إثر غزوه واحتلاله أميركيا ـ بريطانيا وتدهور وضع الجزائر سياسيا واقتصاديا وانكشاف ضعف مصر إثر ما جرى في 2011 وكذلك المحاولة غير المكتملة لتدمير سوريا، لم يكن في الإقليم سوى ثلاث قوى رئيسية هي إيران وتركيا وإسرائيل. ربما يكون الاستنتاج السريع هو أن الولايات المتحدة، والغرب عموما، إنما يريد إضعاف إيران وتركيا لصالح إسرائيل كي تبقى القوة الوحيدة في الإقليم. لكن الواقع أن إسرائيل تعاني أيضا من أزمة سياسية تزداد عمقا كل يوم وتدفع بمتطرفي اليمن نحو السلطة أكثر فأكثر وتساعد الإدارة الأميركية الحالية في زيادة التطرف في المركز الثالث للقوة في الإقليم.
هل تسعى إذًا واشنطن لإضعاف مراكز القوى الثلاث في المنطقة؟ ولأي مصلحة؟ المنطق يقول إن هذا صعب تصديقه، حتى لو كانت سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تؤدي إلى هذه النتيجة كناتج جانبي غير مقصود. فمنذ أكثر من عقد من الزمن والولايات المتحدة تسير على نهج فك الارتباط بالمنطقة وترتيب حماية مصالحها مع وكلاء محليين. بالطبع، إسرائيل هي الوكيل الأول والأكثر قربا من الأميركان ولكنها لا تستطيع أن تكون الوكيل الحصري أو الوحيد. وليس إضعاف القوى الإقليمية في صالح ترتيب حمايتها للمصالح الأميركية، اللهم إذا كانت أميركا ترغب في نفض يدها من المنطقة تماما وتركها لمنافسيها الصاعدين مثل روسيا والصين. وهذا أيضا احتمال بعيد إلى حد كبير. الأرجح أن ما يجري ليس مرتبا له بشكل استراتيجي كما قد ينظر البعض من خبراء التحليل وإنما هي تداعيات تسهم ـ قصدا أو عرضا ـ في إعادة تشكيل المنطقة ككل وربما بالشكل الذي لم تنجح فيه فورات ما سمي “الربيع العربي”.
والتوقع المنطقي هو أن شكل المنطقة الجديد لن يكون فيه دور لأي من القوى التقليدية ما قبل 2011 وما بعده، وأن قوى جديدة ستكون لها اليد العليا في ترتيب خريطة النفوذ والمصالح والتقاطع مع مصالح الأميركان وغيرهم ممن يرتبطون بالمنطقة من القوى الرئيسية في العالم. بل وربما تكون القوى الصاعدة في آسيا (كالصين والهند) صاحبة مصالح أكبر مع تلك المراكز الجديدة للقوة الإقليمية في منطقتنا. أما احتمال السيناريو الأسوأ فهو أن تدخل المنطقة كلها في دوامة صراعات صغيرة تحافظ عليها بدون “خطاف رسو” يحفظ توازنها ويساعد على خروجها من أزماتها الراهنة.

إلى الأعلى