الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التحولات الاقتصادية

التحولات الاقتصادية

سعود بن علي الحارثي

مرت البشرية بمراحل مختلفة من التطور والنمو، ارتبطت كل مرحلة تقدر بعدد من السنوات بفتح إنساني بارز شكل طفرة علمية، انتقل فيها الإنسان من طور إلى آخر أكثر تقدما وازدهارا ويسرا في التعامل مع الحياة ومتطلباتها الضرورية، وضبط إيقاعها في كل ما يتعلق باحتياجاته ومعاملاته وتبادلاته اليومية بتطوير وإقرار التشريعات والأنظمة الحديثة، وتحقيق المزيد من الرفاهية، فالتاريخ البشري قرن أو ارتبط بمنجزات حضارية أطلق عليها اسم (ثورة)، وثقت لخصيصة وسمة ونوع ذلك المنجز أو الفتح العلمي، والثورة العلمية هي تلك التي تمكنت عن طريق (العلم من حل المشكلة من خلال تطبيق بعض الأساليب العلمية)، وفي سلسلة الثورات العلمية عرفت: الثورة الزراعية التي انتقلت فيها البشرية من (نمط حياة الصيد والجمع إلى نمط من الزراعة والاستيطان)، والثورة الصناعية التي مرت بدورات أربع ابتدأت في القرن الثامن عشر (لعبت فيها صناعات الحديد والنسيج أدوارا مركزية)، مرورا بالثورتين الثانية والثالثة، فالرابعة التي تؤرخ لـ(عصر الروبوتات والذكاء الاصطناعي)، وثورة الاقتصاد المعرفي التي تحولت فيها (المعرفة إلى ثروة تفوق قيمتها في معظم الأحيان قيمة الثروات الطبيعية)، وفيها تستثمر الأمم إمكاناتها اليوم لتحقيق المزيد من التقدم والابتكار والرخاء وضمان التفوق على الآخرين. وقادت أوروبا أو دول الغرب التي تبعتها الولايات المتحدة الأميركية فيما بعد ركب الحضارة، فيما ظلت الأمم الأخرى متخلفة تراقب المشهد وهي في حالة من الارتباك قبل أن تبدأ في استيعاب وفهم أسباب التقدم واللحاق تدريجيا بها، اليابان، الصين، كوريا، دول شرق آسيا مثالا، (كان الأوروبيون يسيطرون بإحكام على اقتصاد العالم وعلى معظم أراضيه. استأثرت أوروبا الغربية والولايات المتحدة معا في سنة ١٩٥٠م بأكثر من نصف الانتاج العالمي)، فيما يستعيد (الاقتصاد الصيني المزدهر حاليا قوته العالمية، مبنيا على النموذج الأوروبي في الإنتاج والتمويل)، وعبر تلك المراحل العلمية التي شهدها العصر المقدر بـ300 عام، ظل العرب يعيشون بفكر وثقافة الماضي وصراعاته التي تنقلهم إلى المزيد من التخلف والجهل والفقر، والانفصام عن عصر المعرفة وثوراتها المتتابعة، تفصلهم عقود عن عصور النهضة والثورات العلمية، وما أزمات الخليج المفتعلة إلا مثال على تهور السياسة العربية وانحرافها وعبثها بالاقتصاد قوام الحياة والعامل الأساسي لأي نهضة وإهدارها لثروات الأمة، وفيما تعتمد اقتصادات العالم على الثقة في بنائها وتعزيز قوتها يمزق الساسة والحكام في بلداننا كل الخيوط التي تبقت من قميص الحضارة العربية التي استمرت لقرون من الزمن، متجاهلين حقيقة الحكمة الغربية التي تقول بأن (أحكم السياسات الاقتصادية هي إبقاء السياسة خارج نطاق الاقتصاد). فمتى سينتبه العرب إلى حجم الفجوة التي تفصلهم عن عصر العلم والتقنيات والتكنولوجيا والصناعات الحديثة؟ ومتى سيبدؤون في التحرك لصناعة مستقبلهم؟ في حقيقة الأمر لا تلوح مؤشرات إيجابية تنبئ بأننا بلغنا مرحلة التنبه والاستيقاظ والوعي بمسؤولياتنا والإدراك بأن العصر عصر معلومات وتكتلات اقتصادية، وإنشاء أسواق مشتركة قوامها التكامل وتبادل السلع والمنافع والمصالح التي تحقق طموحات الشعوب، وإن كنا ندرك ذلك إلا أننا منغمسون حتى الثمالة في صراعات الماضي منهكون في مشاكلنا العميقة التي نصنعها بأنفسنا، فالعرب يفتقرون اليوم إلى (القيم والجهاز القضائي والبنى السياسية الاجتماعية التي استغرقت عدة قرون لتتشكل وتنضج في الغرب والتي لا يمكن نسخها بسرعة)، فالأوروبيون لم يكن لديهم في العام (١٧٧٠ أي تقنية متفوقة على المسلمين والهنود والصينيين). كانت مراحل تطور البشرية بطيئة في عصور الماضي البعيد، تحتاج إلى أجيال عديدة وسنوات طويلة كي يشعر الإنسان أن تغييرا حدث في نمط الحياة وكشفا ظهر طور من هيكلية المؤسسات والبنية التنظيمية وعالج مشاكله اليومية وجعل معيشته أكثر يسرا ورفاهية، بعكس ما حدث خلال الثلاثمئة عام التي تتابعت فيها الطفرات العلمية وتفجرت ينابيع المعرفة واستمرت الاكتشافات والابتكارات وبراءات الاختراع وتطبيقاتها تتوالى، درجة أنها تجاوزت بأشواط هائلة التخيل الإنساني وطموحاته الواسعة، (حدثت أهم مرحلة في عملية التوحيد العالمي في القرون القليلة الماضية، حين نمت الإمبراطوريات واشتد زخم التجارة. تشكلت روابط أقوى من أي وقت مضى بين شعوب أفروآسيا وأميركا وأستراليا…). ورافق كل ثورة علمية ينجزها الإنسان تحول اقتصادي يقود الأمم والشعوب إلى المزيد من ضبط وتطوير المعاملات النقدية والتجارية، وتعزيز التعاون والتنسيق والتفاهم المشترك في تبادل المصالح وتعظيم المنافع، وتعميق الوعي بقيمة وأهمية المال وارتباط قوة الدول بقوة ومتانة اقتصادها، ففي الماضي البعيد اعتمد الإنسان في معيشته وتبادلاته التجارية على الصيد وماء الأنهار والجداول وما تنتجه الطبيعة من ثمار الأشجار وأعشاب مختلفة للتداوي ويقايض ما يمتلكه منها مع الآخرين للحصول على ما يحتاجه في تبادلات قائمة على المنافع المشتركة، وكان الإنتاج محدودا للغاية بغرض إشباع الحاجة اليومية، وشيئا فشيئا نمت الاقتصادات وبات المال عنصرا أساسيا لبناء الدول والمشاريع وإقامة الصناعات وإحداث التقدم وتحفيز الأسواق ودعم المعرفة، لقد ظل (نصيب الفرد من الإنتاج ثابتا)، وفي العصر الحديث تسارع النمو بشكل كبير فقد قدر (الإنتاج العالمي للسلع والخدمات في سنة ١٥٠٠م بحوالي ٢٥٠ مليار دولار، أما اليوم فيحوم حوالي ٦٠ تريليون دولار. والأهم من ذلك، بلغ إنتاج الفرد السنوي في سنة ١٥٠٠م حوالي ٥٥٠ دولارا، بينما ينتج كل رجل وامرأة وطفل في المتوسط هذه الأيام ٨٨٠٠ دولار في السنة). وفي العصر الحديث شهدت التحولات الاقتصادية المصاحبة للثورات العلمية تطورات اعتمد فيها النظام المالي على (الائتمان)، الذي يقف خلف الإنجازات الإنسانية الهائلة التي يشهدها العصر في تحديث وبناء وتمويل المشاريع والصناعات العملاقة وتحفيز الأسواق والمجمعات التجارية ودعم المراكز البحثية والتجارب العلمية، واحتضان المواهب وتعزيز التبادلات والمنافع والاستثمارات، وتسريع عجلة المال وتدويره وتوليد الفرص في نمو متسارع وتحت مظلة اقتصادات عملاقة تحميها وتقود حركتها (العولمة)، إنه (نظام قائم على الثقة في المستقبل)، وائتمان يمكننا من (بناء الحاضر على نفقة المستقبل). لقد أكد التقدم البشري على أن اتحاد كل من العلم والمال ووعي النظام السياسي الذي يرعاهما بدورهما العميق كانت العامل الأساسي لأي نهضة علمية تتحقق، لقد قاد وعي كل من فرديناند وإيزابيلا، حاكمي إسبانيا الموحدة وإدراكهما بأهمية العلم إلى الموافقة على تمويل حملة كريستوفر كولومبس والاستثمار فيها، فمكنت اكتشافات هذا الأخير إسبانيا من (احتلال أميركا، حيث أنشأوا مناجم ذهب وفضة وكذلك مزارع سكر وتبغ أثرت الإسبان الملوك والمصرفيين والتجار بطريقة لم يكن ليحلموا بها). فيما تأخرت نهضة البرتغال وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا لسنوات طويلة الذين رفضوا ملوكها مقترحات كولومبس بتمويل أسطول (يبحر غربا من أجل إيجاد طريق تجاري جديد).

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى