الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / السلام على الطريقة الصهيونية
السلام على الطريقة الصهيونية

السلام على الطريقة الصهيونية

تواصل الإدارة الأميركية انحيازها السافر لإسرائيل، وهي في ذلك لا تكتف بتبني الرؤى الصهيونية للحل ولا بعقد الصفقات المشبوهة كصفقة القرن وغيرها، وإنما تزايد في الدفاع عن إسرائيل، وكأنها فوق النقد، بل ووصل الأمر لدرجة التعبير عن رفض بعض المسميات التي تثير الغضب الصهيوني كالمستوطنات التي تفضل الإدارة الأميركية أن يطلق عليها الأحياء، الأمر الذي يفقد تلك الإدارة دورها الحيادي، ويدفع بالأطراف الفلسطينية للبحث عن شركاء آخرين لعملية السلام، خصوصا بعد أن أوصلتها الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس ترامب إلى طريق مسدود.
وقد كان يعتقد أن ترامب هو من يتبنى تلك السياسة بمفرده، وأنه من يدفع لقلب الموازين، وتغيير المعادلات لصالح الحكومة الصهيونية، حتى ولو كان ذلك على حساب الدور التاريخي للولايات المتحدة في حل الصراع العربي الإسرائيلي، وكوسيط محايد في عملية السلام، ولكن بعد تصريحات المبعوث الأميركي للشرق الأوسط “جيسون جرينبلات” والتي أفصح خلالها عن أن الهدف من صفقة القرن هو إنهاء وجود حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إنما يعكس مدى يمينية وصهيونية هذه الإدارة ورغبتها ليس في إنهاء وجود حماس والجهاد الإسلامي، وإنما إنهاء القضية الفلسطينية والقضاء على الحقوق والأحلام الفلسطينية، بما في ذلك حلم إقامة الدولة الفلسطينية.
وتنسف تصريحات المبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط، كل ما يتعلق بصفقة القرن، وأنها تهدف إلى تحسين الأحوال المعيشية للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية المجاورة، وإدماج إسرائيل في منظومة الشرق الأوسط، فالهدف الحقيقي حسب تصريحات مبعوث ترامب القضاء على المقاومة الفلسطينية ممثلة في حركتي حماس والجهاد الإسلامي، حتى يسهل عليهم الإجهاز الكامل على كل الثوابت والحقوق الفلسطينية، وذلك ليس من أجل القضية كما يزعم البعض بقدر ما هو من أجل أمن واستقرار إسرائيل التي ترى في تلك الحركات خطرا على مشاريعها ووجودها في منطقة الشرق الأوسط.
وما يؤكد هشاشة السياسة الأميركية وخروجها عن المسار السياسي المتوازن المتعارف عليه، وتخليها عن الحيادية في تعاملها مع تلك القضية المحورية بالنسبة للعرب والمسلمين، تخليها عن حل الدولتين وقضايا المستوطنات واللاجئين والقدس، وتركيزها فقط على الأجزاء الخاصة بأمن واستقرار إسرائيل، واعتبارها أن استخدام عبارة (حل الدولتين) تؤدي إلى لا شيء، وزعمها بأنه لا يمكن حل هذا الصراع المعقد بشعار مكون من كلمتين، ومطالبتها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بالانتظار، ليس هذا فحسب، بل والتأكيد على أنهم لا يقدمون أي ضمانات للفلسطينيين، فعلى أي أساس يتم الانتظار إذن؟ هل يتم الانتظار إلى أن يتم تصفية القضية والقضاء على قوى المقاومة بالداخل، أم يتم الانتظار حتى تستعد إسرائيل للمعركة الكبرى مع الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة والضفة الغربية؟!!
تساؤل آخر عن توقيت إعلان الخطة السياسية، ولماذا لا يترافق الإعلان السياسي مع الإعلان الاقتصادي، أم أن حل الحكومة الإسرائيلية والإعلان عن عقد انتخابات جديدة في السابع عشر من سبتمبر المقبل هو السبب في هذا التأخير؟ وإن كان كذلك، فإن معنى ذلك أن الإدارة الأميركية الحالية قد رهنت إرادتها للحكومة الصهيونية بصفة خاصة ولإسرائيل بصفة عامة، وهو ما يفقدها دورها في عملية السلام، التي باتت تحتاج إلى شركاء أكثر موضوعية وحيادية، فالصراع المستمر لأكثر من سبعة عقود لا يمكن لهذه الصفقة أن تنهيه بهذا الشكل، ولا يمكن للإدارة الأميركية الحالية مهما استعملت من أدوات ضغط أن تفرض على الشعب الفلسطيني ما لا يقبله وما ضحى لأجله على مدار تلك الفترة، فإما أن تعود لتوازنها وحيادها إذا ما كانت ترغب في لعب دور في عملية السلام، وإما أن تترك الملف لأطراف أخرى حفاظا على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك أمن إسرائيل، لأن البدائل في حال استمر الضغط على الجانب الفلسطيني ستكون وخيمة وكارثية على الجميع.

د.أسامة نور الدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى