الأحد 15 ديسمبر 2019 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب والعودة إلى العنصرية

ترامب والعودة إلى العنصرية

د. فايز رشيد

انشغل الإعلام العالمي إجمالا طيلة الأسبوع الماضي بموضوع هجوم الرئيس ترامب على أربع نائبات ديمقراطيات في الكونجرس, اعتبرهن من أصول أجنبية (غير أميركية), ووصفهن مثلما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” بأنهن مولودات في الخارج, ومثيرات للمشكلات, وطالب بعودتهن إلى الأماكن “المنهارة والموبوءة بالجريمة التي قدمن منها”, متجاهلا حقيقة أن هؤلاء النساء مواطنات أميركيات, حسب وكالة “أسوشيتد برس” الأميركية. وقال ترامب, في سلسلة تغريدات له على “تويتر”: “من الغريب أن نرى الآن عضوات الكونجرس الديمقراطيات (التقدميات), اللاتي جئن أصلا من بلدان تعتبر حكوماتها كارثة كاملة وشاملة وهي الأسوأ والأكثر فسادا في العالم. وأضاف: “وفي الوقت نفسه يخبرن شعب الولايات المتحدة أعظم وأقوى أمة على وجه الأرض, بشراسة كيف تتم إدارة حكومتنا”, وأضاف متابعا: “لماذا لا يعدن ويساعدن في إصلاح الأماكن المنهارة تماما والموبوءة بالجريمة التي جئن منها. ثم يعدن ليوضحن لنا كيف تم ذلك. واختتم قائلًا: “تحتاج هذه الأماكن إلى مساعدتكن بشدة, ولا يمكن أن تتركوها بسرعة كافية”.
وقال ترامب أيضا: أنا متأكد من أن نانسي بيلوسي (رئيسة مجلس النواب) ستكون سعيدة للغاية لوضع ترتيبات السفر المجانية لهن بسرعة”. في المقابل، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي, إن الرئيس يريد “جعل أميركا بيضاء مرة أخرى”. وفي الوقت نفسه, وصف النائب الجمهوري جوستين أماش من ميشيجان, التصريحات بأنها “عنصرية ومثيرة للاشمئزاز”. وأشارت ذات الوكالة إلى أن ترامب كان يشير إلى النائبات ألكساندريا أوساسيو كورتيز من نيويورك, وإلهان عمر من مينيسوتا, وآيانا بريسلي من ماساتشوستس, ورشيدة طليبب من ميشيجان. وولدت كورتيز وهي من أصل بورتوريكي في برونكس بنيويورك. أما بريسلي فهي أول سمراء تنتخب لعضوية مجلس النواب من ولاية ماساتشوستس. وعمر أول صومالية ومن أوائل المسلمات بالكونجرس, أما طليب فهي من أصول عربية فلسطينية.
حقيقة الأمر, أن هجوم الرئيس ترامب على عضوات الكونجرس المعنيات يحمل بين طياته إهانتهن وإهانة البلدان التي جاء أهاليهن منها, باعتبار هذه البلدان موبوءة بالجريمة ومنهارة…إلخ. في ذات الوقت هو إهانة لعشرات الآلاف من الأميركيين, وفيهم البيض والسود بالطبع, وهم الذين انتخبوهن وأوصلوهن إلى الكونجرس. هجوم ترامب هو إهانة للمبادئ الأميركية التي رفعتها الولايات المتحدة منذ قيامها: الحرية, العدل, الإخاء والمساواة والديمقراطية! وهو لا يليق أن يصدر عن رئيس دولة صغيرة, فكيف برئيس الدولة الأقوى في العالم. للأسف, لم يركّز الإعلام على جملة وردت في تعليق لترامب في وصف المعنيات, مثبّت في إحدى تغريداته (كما أوردتها صحيفة الرأي الأردنية): وهي “أن جميعهن كارهات لإسرائيل”, مما حدا الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي إلى كتابة مقالة في صحيفة “هآرتس” قارن فيها بين عنصرية نتنياهو وعنصرية ترامب, مؤكدا أنها تجمعهما, متطرقا للدور الإسرائيلي ولنتنياهو شخصيا في تحريض ترامب لاتخاذ مثل هذا الموقف المقزز من عضوات الكونجرس. بالفعل يذكر كاتب هذه السطور تصريحات لثلاثة منهن (خاصة طليب) انتقدن فيها سياسة القتل الإسرائيلية للفلسطينيين وفظاعات الاحتلال, وانتقدن التأييد الأميركي الأعمى وبخاصة في عهد الرئيس ترامب لها. بالتالي, علينا أن نأخذ (العامل الإسرائيلي) الكاره لهن, ولكل من ينتقد السياسات والفظائع الإسرائيلية ضد شعبنا, ولهذا اتهمتهن صحيفة “إسراهيل هيوم” الإسرائيلية المؤيدة لنتنياهو بـ”العداء للسامية”.
لعلّ الأخطر في هجوم ترامب على عضوات الكونجرس المعنيات, هو التذكير بحقبة سوداء من التاريخ الأميركي, هي حقبة “الفصل العنصري” بين السود والبيض, التي عاصرها جيلنا بتفاصيلها جيدا. وبالرجوع إلى الأرشيف ومواقع إلكترونية عديدة, لتذكّر أبرز معالم هذه الحقبة السوداء, يلاحظ أنها امتدت لعقود طويلة, إلى أن قاد مارتن لوثر كينج وآخرون كثيرون حركة احتجاج للسود قوية امتدت لكافة الولايات الأميركية تقريبا, ضد سياسة العزل العنصري, تواصل فيها النضال الجدي عشر سنوات, كان عنوانها المطالبة بالحقوق المدنية لهم إلى أن وقّع الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون عام 1963 قانونا يعترف فيه بكافة الحقوق المدنية للسود, سميّ بقانون “الحقوق المدنية”, معتبرا أن التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس, أو الأصل القومي, أمر مخالف للقانون والدستور الأميركي. بيد أن الإلغاء الرسمي للتمييز العنصري لم يضع حدا للمشاكل بين عشية وضحاها. فقد شهدت الستينيات والسبعينيات الكثير من الاحتجاجات وأعمال شغب أدت إلى قتل بعض المحتجين السود, حتى ترسخت حقوقهم المدنية, وما زلنا في الألفية الجديدة نشهد أحيانا بعض الاحتجاجات للسود على قتل بعض منهم. يبقى القول: إن هاجس الرئيس ترامب يتمحور حول محو إرث الرئيس السابق أوباما, وضمن عقلية ترامب, ربما لأنه أسود!

إلى الأعلى