الأحد 15 ديسمبر 2019 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / كبوات إعلامية

كبوات إعلامية

أ.د. محمد الدعمي

ينقص الإعلام العربي عدد من المزايا والمتطلبات المادية والاعتبارية (بالرغم من حظوة بعض قنواته بالرعاية المالية السخية) التي تؤهله لموازاة أو لبز الإعلام الغربي عامة.
من جانب معين، لا بد أن نعترف أن الإعلام العربي لم يزل إعلاما فتيا مقارنة بتاريخ الإعلام الغربي الطويل الذي لم يباشر بدور إخباري حسب، بل هو حاول عبر ما مرت به الدول الغربية من حروب وتفاعلات سياسية وتغيرات اجتماعية أن يحدد دوره الاجتماعي والفكري كقوة تشكيل أساسية للرأي العام، الأمر الذي جعل من ماضي الإعلام الغربي خزينا لا ينضب من التجارب والمدارس والتوجهات، الصحية وغير الصحية، التي أفرزت بدورها نماذج إعلامية لم تزل فاعلة ولكن في دول العالم الثالث، وهي نماذج قامت على أساس المحاكاة العمياء، وليس الإبداع، على أساس أن المحاكاة أفضل طريق للتعلم بدلا عن محاولات التجديد والابتكار. لذا انقسمت أغلب وسائل الإعلام العربي إلى نوعين، تبعا لمعطيات هذه المحاكاة، وهي: (1) الإعلام “المركزي” المؤدلج، و(2) الإعلام التجاري. وإذا كانت لدينا بعض القنوات الإعلامية الجيدة نسبيا، فإن الفضل في ذلك يعود إلى الدقة بالمحاكاة وإلى الالتزام بتتبع خطى الإعلام الأجنبي خطوة خطوة، درجة أن أغلب الصحف الأولى التي ظهرت في العالم العربي كانت تحمل عناوين هي في أصلها “تعريب” لأسماء صحف بريطانية أو فرنسية.
لذا، لا تتحدد التبعية الإعلامية في منطقتنا لوسائل الإعلام الغربية بمثل الأوصاف العامة، ذلك أن أغلب وسائل الإعلام العربي، في بواكيره بداياته في القرن الماضي، كان دائما مرآة أو صدى لما تجود به وكالات الأنباء والصحف الغربية الرئيسية: لا يحتاج المرء إلى المضني من الجهد ليراجع أرشيفات أوائل الصحف والمجلات العربية ليتأكد أن معظم الأنباء والتحليلات كانت مستقاة من الصحف البريطانية والألمانية والفرنسية وسواها من وسائل البث الإعلامي، خصوصا الأثيري آنذاك، تحت لافتة “إنصات”. أما إذا شاء المرء أن يقلب الصورة، فإنه لن يجد صحفا غربية كانت تستقي أخبارها من وسائل الإعلام العربية: حتى أخبارنا المهمة تأتي عبر وسائل إعلامهم ومراسيلهم ومصوريهم كي تتموضع في درجة ثانية من الأهمية. اليوم، تحاول بعض الفضائيات الإعلامية العربية الفوز بأنباء وصور محلية، مستثمرة وجودها بالقرب من الصورة والحدث لتحقيق ما يسمى بـ”السبق الصحفي”. بيد أن للمرء أن يلاحظ أنه حتى في مثل هذه الحالات النادرة يسبق الصحفي الغربي زميله الصحفي المحلي في التقاط هذا السبق والفوز بالسبق.
ومن جانب ثانٍ، تعاني معظم وسائل الإعلام العربية من معضلة “مركزية الإعلام” حيث تتم عملية تسييس وسيلة الاتصال الجماهيري تحت ذرائع وشعارات من نوع “الإعلام الموجه” أو “الإعلام التعبوي” الذي لا يجد لنفسه هدفا ودافعا سوى خدمة القائمين عليه، حكومات أو ممولين مدفوعين بدوافع سياسية واضحة المعالم، الأمر الذي يبرر ظاهرة الانتقائية الإعلامية المخلة ويبرر الأطناب القائمين على استلال الخبر “المناسب” والتحليل الموائم. وإذا كانت هذه المعضلة محدودة بما يسمى بوسائل الإعلام الرسمية في أواسط القرن العشرين، فإنها اليوم تحيط العديد من وسائل الإعلام “الخاصة” بالشكوك بسبب مشارب الممولين، وأحيانا بسبب غموض أغراضهم وهوياتهم. وتقدم لنا العديد من الفضائيات العربية الشائعة صورا واضحة للغيمية التي تلف هذه الفضائية أو تلك، بناء على ملاحظة “السلوك الإعلامي” غير الطبيعي الذي تنتهجه. لنلاحظ أن عراق ما بعد الغزو الأميركي 2003 قد شهد ظهور ما لا يقل عن عشرين فضائية محلية، زيادة على عشرات الصحف والمجلات، بعد أن كان المستهلك العراقي للمادة الإعلامية حبيسا بين عدد ضئيل جدا من وسائل الإعلام طوال عقود.
لقد أدت ظاهرة مركزية الإعلام وتسييسه إلى حالة “تسليع المواد الإعلامية” بوصفها سلعة تباع وتشترى في سوق العرض والطلب، كما هي الحال مع جميع السلع والبضائع الخاضعة لقانون السوق الأعمى. وإذا كانت هذه المحسوبية والمنسوبية من إفرازات ما يسمى بالإعلام الموجّه الذي يعد المادة الإعلامية مادة تدر بالفائدة على من يضخها ويخرجها من ناحية المصالح والأهداف السياسية أو الفكرية، فإن هذه الظاهرة قد أسقطت العديد من وسائل الإعلام وشواخصه ضحية للروح المصلحية التي توظف الدعاية والفضيحة والإثارة للتكسب ولاستقطاب الجمهور. ولدينا في العالم العربي العديد من نماذج هذا النوع الإعلامي الذي يلهث وراء الكسب السريع، بغض النظر عن التوجيه السليم والكلمة الحرة والرأي السديد: الهدف هو الربح فقط. سمعت بصحيفة واسعة الانتشار هذه الأيام، درجة نفاد نسخها خلال ساعات بعد النشر: هذه الصحيفة يديرها شخص واحد، هو ذاته رئيس التحرير وسكرتير التحرير والمحقق الصحفي والمصور والإداري وكل شيء، ليس لأنه “عبقرية” لا تنضب مواهبها وقدراتها، ولكن لأنه لا يفعل شيئا سوى أن يتصفح “الإنترنت” لالتقاط أكثر الأخبار والتحليلات غرابة وإثارة للجمهور، كي يدفع بها إلى المطبعة.
لنلاحظ كذلك أن يعتمد بعض القائمين على الإعلام تحت ظل الحكومات العربية على فكرة أن “مهنة المتاعب” هي مهنة أو حرفة لا تحتاج إلا نوعا من التدريب المدرسي أو الأكاديمي الذي يمكن أن يتحول إلى “ماكينة” لأنتاج الإعلاميين بالجملة، بغض النظر عن الموهبة والذكاء الفردي الذي يؤهل الإعلامي للنجاح والاستقطاب. وقد تبلورت هذه الظاهرة المثيرة للملاحظة في الاندفاع الذي شهدته الدول العربية نحو تأسيس أقسام جامعية، بل وحتى كليات متخصصة، بالإعلام. وهكذا لم يعد الإعلامي الحق شخصا يمتاز بمميزات من النوع الاستثنائي، كما كنا نلاحظ ذلك قبل حقبة “كليات الإعلام” القائمة اليوم. إنه لمن دواعي التندر أن تتحول أقسام وكليات الإعلام إلى آنية لاستيعاب خريجي الثانويات من الحاصلين على المعدلات والدرجات المنخفضة، باعتبار أن كلية الإعلام لا تحتاج إلى الكثير من الجهد والمثابرة للنجاح والتخرج، مقارنة بكليات العلوم والصيدلة والطب على سبيل المثال. وهكذا تحولت هذه الأقسام والكليات إلى “ملجأ” للطلبة الضعفاء علميا وإلى “ميتم” لمن يبحث عن عمل هو غير مؤهل له أصلا، لا نفسيا ولا حرفيا. لقد لوحظ أنه بالرغم من انتشار هذه الأقسام “العلمية” في العديد من الجامعات العربية، فإن أفضل الإعلاميين العرب لم يكونوا من خريجي مثل هذه المؤسسات الأكاديمية التي يفترض أن تعزل “الطارئين” على الإعلام لتفتح الطريق للموهوبين منهم، بالرغم من إن أغلب خريجي هذه الأقسام يتخرجون وهم لا يحسنون تحرير خبر بسيط أو كتابة تحليل جيد قابل للقراءة.

إلى الأعلى