الأحد 15 ديسمبر 2019 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : المجاعة والحاجة إلى وقفة صادقة

رأي الوطن : المجاعة والحاجة إلى وقفة صادقة

تصدمنا منظمة الأمم المتحدة بين الحين والآخر بتقاريرها عن الأوضاع الإنسانية في هذا العالم، سواء كانت متعلقة بالجوع والفقر والمرض، أو متعلقة بضحايا الحروب والإرهاب وغير ذلك من المشكلات التي يفتعلها بنو البشر للإساءة إلى أنفسهم وإهلاكها.
إنه لأمر مخزٍ ومحزن أن ينقسم البشر إلى نقيضين متضادين؛ قسم يتمتع بالأكل والشرب وسائر الملذات، وقسم محروم من جميع مظاهر الحياة ومن أبسط حقوقها كوجبة واحدة في اليوم تسد جوعه وشربة ماء نظيفة تطفئ ظمأه، ويزداد الأمر خزيًا وحزنًا وعارًا أن يبقى الأول أسيرًا لأمراض التخمة والسمنة كالسكري وتصلب الشرايين والروماتيزم، والضغط ويحصل على ما يريده من رعاية صحية وأدوية وعلاج جراء إفراطه في الأكل وإسرافه في الملذات، في حين يبقى القسم الآخر أسيرًا لأنياب الجوع والفقر والمرض، ويعاني من الهزال والجفاف. كما يزداد الوضع عارًا وخزيًا وكمدًا حين يقدم الأغنياء على أفعال تتنافى مع القيم الإنسانية والمبادئ والأخلاق، فيتحولون إلى وحوش تخلو قلوبها من الرحمة وتتجرد من مشاعر الإنسانية والعطف، وتتبلد ضمائرها تجاه الملايين من الجوعى والفقراء والمرضى، وذلك بتخلص الدول الغنية المنتجة للقمح والحبوب عما فاض من إنتاجها، ومن مبيعاتها لدول العالم، فضلًا عن ضعف أو وقف مساعداتها المالية للمنظمات الإنسانية وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة (برنامج الأغذية العالمي)، في حين يمتنع الأغنياء الذين يمتلكون الأموال العائدة إليهم من أموال النفط والصناعات عن تقديم الدعم الكافي لمنظمات الأغذية والمنظمات الإنسانية. ويضاف إلى هذه المشاكل مشكلة تغير المناخ، وما جره من جفاف وتصحر واحترار الكون في أماكن عدة من العالم، أو حدوث فيضانات وأعاصير في أماكن أخرى.
التقرير الجديد للأمم المتحدة حذر من ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في العالم بسبب النزاعات والاختلالات المناخية إلى أكثر من 821 مليونًا عام 2018 بعد أن كان 811 مليونًا في العام الذي سبقه. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي قوله خلال مؤتمر صحفي في مقر الأمم المتحدة إنه “نبأ سيئ فمن دون أمن غذائي لن ننعم يومًا بالسلم والاستقرار”، فيما أكد معدو التقرير أن الأرقام المسجلة سنة 2018 تجعل من هدف القضاء على نقص التغذية في العالم “تحديًا هائلًا”.
وبعد إحصاء الأشخاص الذين يعانون من الجوع وهؤلاء الذين يرزحون تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي، خلصت الأمم المتحدة في تقريرها السنوي إلى أن أكثر من ملياري شخص؛ 8% منهم في أميركا الشمالية وأوروبا، لا ينتفعون بانتظام من أغذية سليمة وذات قيمة غذائية عالية وبكميات كافية.
ويندرج هذا الهدف ضمن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي حددتها الأمم المتحدة لعام 2030، لكنه بات بعيد المنال بحسب ديفيد بيزلي الذي ندد بتركيز وسائل الإعلام على أخبار دونالد ترامب والبريكسيت أكثر منه على الأطفال الذين ما زالوا يموتون من الجوع في العالم.
إن العالم بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس والضمير والتوقف عن جميع أشكال الإساءة إلى الإنسان والكون، والتخلي عن سياسة الحروب والاستعمار والجشع والطمع وغير ذلك من الصفات والسياسات التي لا تزال تجر الوبال والدمار على شعوب العالم.

إلى الأعلى