السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عنصرية

عنصرية

كاظم الموسوي

“من المفيد الإشارة إلى تغريدة ملفتة للكوميدي الأميركي، جيرمي ماكليلان، في نقده لعنصرية ترامب، بأن ترامب في مطالبته رشيدة طليب بالعودة إلى بلادها ساهم أخيرا باعترافه بحق العودة الفلسطيني، وأن هذا توبيخ مدهش لكل الصهاينة أينما كانوا”.

لم يعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن تصريحاته “عنصرية” ولكن يتهم الذين يهاجمونه حولها بأنهم اشتراكيون أو شيوعيون، ولن تكون اميركا شيوعية. هكذا يقول بكل بساطة. فلا يحرج من الاقرار ضمنا، أو التصريح بانها ليست عنصرية كما عند غيره. وبالتأكيد يتحسب أو يستشير قانونيا بذلك.
لكن… اتفق كل من قرا أو تابع تغريدات الرئيس ترامب في هجومه على نائبات من الحزب الديمقراطي من أصول أجنبية، بانها عنصرية. إذ دعاهن إلى العودة من حيث أتين. وأضاف أنهن ينحدرن من بلدان يعم فيها الفساد، متسائلا بلهجة تهكمية: “لماذا لا يعدن ويساعدن في إصلاح الأماكن الفاشلة التي أتين منها حيث تتفشى الجريمة؟”. وعلى خلفية ذلك وصف مسؤولون في الحزب الديمقراطي ترامب بـ”العنصري”، فيما اعتبرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تغريدات ترامب بأنها “غير مقبولة على الإطلاق”.
لم يسم ترامب أيا منهن كتابة ولكنه ذكرهن في مهرجاناته، وقال “إنهن أتينَ في الأصل من بلدان ذات حكومات كارثية بالمطلق هي الأسوأ والأكثر فسادا وعدم كفاءة في العالم”. واعتبر بنوع من التهكم أن هؤلاء النساء “يخبرن شعب الولايات المتحدة، أعظم وأقوى أمة على الأرض، كيف يجب أن ندير حكومتنا”. وليست هذه المرة الأولى التي يهزأ فيها ترامب من هذه الدول، إذ كان قد نقل عنه العام الماضي وصفه بعض الدول الأفريقية بأنها “أوكار قذرة”، إضافة إلى كلامه عن “غزو” المهاجرين غير القانونيين.
واضح من تغريدات ترامب الاشارة إلى “عضوات الكونغرس الديمقراطيات التقدميات”، أمثال ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز من نيويورك والنائبة عن مينيسوتا إلهان عمر ورشيدة طليب من ميشيغان، وأيانا بريسلي، عن ولاية ماساتشوستس. ومعروف ان اوكاسيو كورتيز مولودة في نيويورك، من أصل بورتوريكي، فيما طليب ولدت في ديترويت من أصل فلسطيني، وإلهان عمر، جاءت طفلة إلى الولايات المتحدة من الصومال، وهي أول مسلمة سوداء في الكونغرس، وأيانا بريسلي، من أصل أفريقي، ولدت ونشات في أوهايو.
أدان الكونجرس الأميركي رسميا الرئيس الأميركي بسبب هذه التغريدات التي استهدفت نائبات ديمقراطيات ولهجته العدائية تجاه المهاجرين، وانضم أربعة نواب من حزبه إلى 235 نائبا ديمقراطيا، في الوقت الذي حاول باقي أعضاء حزبه أن يلتفوا حوله. ووصف مجلس النواب/ الكونغرس تغريدات ترامب بانها “عنصرية” وذكر أنها “شرّعت وزادت الخوف والكراهية تجاه الأميركيين الجدد والأشخاص الملوّنين”. وانتقد القرار “قول ترامب إن أعضاء الكونغرس من المهاجرين (زملاؤنا الذين يعتقد خطأ أنهم من المهاجرين) لا ينتمون إلى الكونغرس أو إلى الولايات المتحدة الأميركية”. وأنّب القرار ترامب أيضا لنعته المهاجرين وطالبي اللجوء بـ”الغزاة”.
يتمتع الديمقراطيون بغالبية في مجلس النواب الذي يبلغ عدد أعضائه 435 نائبا، لكن للجمهوريين الأغلبية في مجلس الشيوخ، إذ من غير المرجح أن يتم النظر في القرار.
دافع ترامب “إن هذه التغريدات لم تكن عنصرية، ولن تجدوا جراما واحدا من العنصرية لدي”، داعيا نواب حزبه إلى عدم الوقوع في “الفخ” الذي ينصبه لهم خصومهم الديموقراطيون. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في نوفمبر 2020 يبدو ترامب مصمما أكثر من أي وقت مضى على استقطاب قاعدته الانتخابية من البيض في أكثريتها، وعلى العمل على بث الفُرقة في صفوف الديمقراطيين. وفي إطار استراتيجيته القائمة على تأجيج الجدل حول شخصه، حرص ترامب عبر تغريدة اخرى عن النائبات الديموقراطيات الأربع. وكتب قائلا “إن بلدنا حر ورائع ومزدهر. إذا كنتن تكرهن بلادنا أو إن لم تكنّ سعيدات هنا، بإمكانكن الرحيل”.
استهجن شاك شومر زعيم كتلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ صمت كبار المسؤولين في الحزب الجمهوري عن تصريحات ترامب. وقال في هذا الإطار “من المخيف الملاحظة كيف يمكن للعديد من زملائنا الجمهوريين أن يتركوا العاصفة تمر من دون أي تعليق عليها”، متسائلا ما إذا كان هذا الصمت يترجم وجود “اتفاق” مع الرئيس أم “ضيقا” منه، ثم أضاف “في الحالتين هذا الموقف لا يمكن تبريره”. أما جو بايدن، نائب الرئيس السابق والمرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2020، فقد قال إن التاريخ الأميركي “لم يشهد إطلاقا رئيسا عنصريا أكثر من هذا الرجل”. وقال المرشح الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز “هل يمكن تخيل رئيس محافظ مثل جورج دبليو بوش يدلي بتصريحات عنصرية من هذا النوع؟”. وانتقدت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بدورها عبر تويتر “هجوم” الرئيس، قائلة “أرفض تعليقات ترامب التي تنم عن رهاب الأجانب وتهدف الى تقسيم أمتنا”. وهذه اشارات تجمع على رفض الديمقراطيين التغريدات العنصرية للرئيس ترامب والصامتين عليها من حزبه أو مؤيديه. كما أن التغريدات فتحت المجال لاعتراضها والدفاع عن القيم الإنسانية والقانونية وشغلت اوساطا واسعة في الاعلام والسياسة الاميركية، داخليا وخارجيا.
ومن المفيد الإشارة الى تغريدة ملفتة للكوميدي الأميركي، جيرمي ماكليلان، في نقده لعنصرية ترامب، بأن ترامب في مطالبته رشيدة طليب بالعودة إلى بلادها ساهم اخيرا باعترافه بحق العودة الفلسطيني، وان هذا توبيخ مدهش لكل الصهاينة اينما كانوا.
كما كتب عنه الصحافي الأميركي جورج كونواي في صحيفة واشنطن بوست: أعتقد أن الرئيس الأميركى دونالد ترامب هو شخص غبي، وجاهل، ونرجسي، ومتبلد المشاعر، فهو يمارس التنمر بشكل مثير للشفقة، حيث يتنمر على الآخرين بشكل متساوٍ، فهو يهاجم أى شخص يعتقد أنه ينتقده، لكننى لا أرغب فى أن يكون رئيس الولايات المتحدة عنصريا. فحينما يخاطب ترامب اربعة من أعضاء الكونغرس الأميركي، من غير البيض، بالعودة إلى بلدانهم، فإن هذا يعد عنصرية صارخة، بغض النظر عن ماهية هؤلاء الأعضاء، فما قاله يعد تجاوزا لحدود اللياقة الإنسانية لأي شخص، ناهيك عن كونه الرئيس (…) لكن هذا غير مقبول، وذلك لأن ترامب ليس شخصا عاديا. وبحكم منصبه، فهو يتحدث باسم البلاد بأكملها، واليوم لم يعد القضاة، أو التخفيضات الضريبية، أو اللوائح، أو أية قضية سياسية أخرى على المحك، ولكن ما هو على المحك فعلا الآن هو المثل العليا التى بُنيت عليها الولايات المتحدة!.

إلى الأعلى